انفلاق الصباح ونظام الفلك والأوقات في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٦٨)جامع البيانالطبري١١/٥٦٨ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ}: «أي شاق عمود الصبح من ظلمة الليل، يصدع به حلكة الظلام فينبلج الفجر بنوره؛ {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} أي محلاً لسكون الخلق وراحتهم وهدوء حركاتهم من تعب النهار؛ {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} أي بحساب مقدر محكم ومنازل معلومة يستدل بها العباد على عدد السنين والشهور والأيام وحساب الأوقات ومصالح معايشهم؛ {ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ} في ملكه الذي لا يغالب، {الْعَلِيمِ} بجميع مصالح خلقه وتدبير كونه».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٢٣)مصدر غير محدد٣/٣٢٣: «يعدد تعالى آياته العلوية بعد آياته السفلية؛ فهو فالق ظلمة الليل بضياء الصبح، وجاعل الليل للراحة والسبات، والنهار للمعاش والسعي، ومجري الشمس والقمر بحساب دقيق لا يتغير ولا يضطرب، صادر عن كمال العزة والعلم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{الْإِصْبَاحِ}: مصدر أصلح؛ والمراد به الصبح وضوء الفجر والنهار.
{سَكَنًا}: ما يسكن إليه الإنسان ويستريح به ويهدأ من السكون ضد الحركة.
{حُسْبَانًا}: الحسبان مصدر حَسَبَ؛ أي يجريان بحساب مقدر دقيق في مسارات ومنازل لا تضل ولا تتداخل؛ كقوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}.
{تَقْدِيرُ}: التدبير المتقن ووضع الأشياء بمقاديرها وأوزانها اللائقة بها.
{الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}: القوي الغالب الحكيم المحيط بكل ذرة في الأفلاك.
القراءات المتواترة في {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا}:
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء من فلق الحبة في باطن الأرض إلى فلق الصبح في كبد السماء:
تناسق بياني ونظمي يعجز عنه البشر؛ قابل بين "فلق الحب والنوى" في ظلمات الأرض السفلية، وبين "فلق الإصباح" في ظلمات الفضاء العلوي؛ ليدل على وحدة الصانع وهيمنته على أقطار العالم السفلي والعلوي؛ فكما يشق ظلمة الثرى بنور النبات الأخضر، يشق ظلمة الليل بنور الفجر الأزهر؛ وينظم حركة الفلك بالشمس والقمر لتستقيم معايش العباد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة الحسبان الفلكي على استحالة الصدفة والعبث في الكون:
تؤصل الآية لبرهان "الإتقان والغاية والنظام الفلكي الدقيق"؛ فحركة الشمس والقمر ليست حركة عشوائية صدفية، بل هي محسوبة بدقة متناهية {حُسْبَانًا} تضبط الزمن، وتحدد الفصول، وتتيح الحساب التقويمي للأنشطة البشرية؛ والفيزياء الفلكية الحديثة تؤكد أن أي اضطراب طفيف في مسار الأرض أو الشمس أو القمر يؤدي إلى فناء الحياة؛ وهذا التدبير المحكم لا يصدر إلا عن إله "عزيز عليم".
استعارة الفلق في {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ}: تصوير حسي عجيب للصباح كأنه شيء ينشق ويخرج من جوف الليل الأسود كخروج الجنين من الرحم أو النبات من الأرض.
التنكير في {سَكَنًا} و {حُسْبَانًا}: للتعظيم وتأكيد الغاية والوظيفة؛ فالليل سكن عظيم تستريح فيه الأرواح والأبدان، وحسبان الشمس والقمر ميزان كوني هائل لا يختل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار عظمة الله عند تباشير الفجر وبزوغ الصباح، واستفتاح اليوم بالتحميد والذكر والتسبيح لفالق الإصباح.
احترام سنن الله الكونية في تنظيم النوم واليقظة؛ بجعل الليل سكناً للراحة وقيام الليل، والنهار للمعاش والعمل والإنتاج، وعدم قلب الفطرة بالسهر العابث.