فضل سورة الأنعام وافتتاحها بالحمد في الآثار النبوية:
أخرج الحاكم في "المستدرك" (ج ٢، ص ٣١٥ وصححه ووافقه الذهبي) والبيهقي في "شعب الإيمان" وابن جرير الطبري (ج ١١، ص ٢٥١)مصدر غير محدد١١/٢٥١ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح والتحميد».
وروى الدارمي في "سننه" (رقم ٣٣٦٩)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٦٩ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألفاً من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد».
وأخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٥٥)مصدر غير محدد١١/٢٥٥ عن قتادة والسدي والحسن في قوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}: «أي يسوون به غيره في العبادة؛ والعدل هنا: الإشراك والتسوية؛ عدلوا بربهم الأوثان والأنداد فعبدوها معه، مع اعترافهم بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الثناء باللسان على الجميل الاختياري مع المحبة والتعظيم؛ واستغراق الألف واللام لجميع أجناس المحامد واستحقاقها لله وحده.
خَلَقَ
الإيجاد على غير مثال سابق بتقدير محكم وإتقان باهر.
وَجَعَلَ
الجعل هنا بمعنى خلق وصيّر؛ وفرق بين خلق السماوات وجعل الظلمات والنور؛ لأن الظلمات والنور أعراض وأحوال تابعة للأجرام.
الظُّلُمَاتِ
جُمعت الظلمات لأن أسبابها وطرق الضلال والجهل متعددة، وأُفرد {النُّورَ} لأن طريق الحق واحد لا يتعدد.
يَعْدِلُونَ
من العَدْل وهو التسوية والمماثلة؛ يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به؛ فالمراد يسوون بالله آلهتهم الباطلة في العبادة والخضوع.
اسم موصول مبني على السكون في محل جر نعت للفظ الجلالة أو بدل.
خَلَقَ
فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الذي، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
السَّمَاوَاتِ
مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
وَالْأَرْضَ
معطوف على السماوات منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَجَعَلَ
الواو عاطفة، جعل ماضٍ معطوف على خلق وفاعله مستتر.
الظُّلُمَاتِ
مفعول به منصوب بالكسرة.
وَالنُّورَ
معطوف منصوب بالفتحة.
ثُمَّ
حرف عطف يفيد التراخي الرتبي واستبعاد وقوع ذلك الفعل الشنيع بعد قيام الحجة.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
كَفَرُوا
فعل ماضٍ والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
بِرَبِّهِمْ
متعلق بيعدلون، ورب مضاف والهاء مضاف إليه.
يَعْدِلُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (الذين كفروا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المطلع وإقامة الحجة الكونية الباهرة من أول كلمة:
افتتاح مهيب يقذف بالحق على الباطل فيدمغه؛ استفتحت السورة بحمد الله على أعظم آيات الخلق الكوني: إيجاد السماوات والأرض وما بينهما، وتدبير نظام الظلمات والنور الذي تستقيم به حياة الكائنات؛ ثم عقب مباشرة بحرف الاستبعاد والتعجيب {ثُمَّ}؛ ليعجب كل ذي عقل من سفاهة المشركين: كيف يسوون بالخالق العظيم الفاطر لهذه الأكوان حجارة صماء وتراباً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض عقائد الثنوية والمجوس وعبدة الأوثان:
الآية الكريمة عمدة قطعية في إبطال مذاهب الثنوية والمجوس (أصحاب النور والظلمة كأتباع ماني وزرادشت)، الذين زعموا أن للعالم صانعين قديمين: النور وهو خالق الخير، والظلمة وهي خالقة الشر!
فأبطل القرآن هذا الزعم من وجهين عقليين قاطعين:
قوله {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} أثبت أن النور والظلمة كلاهما "مخلوقان حادثان مجعولان" لله الواحد القهار، فليسا إلهين ولا قديمين.
تقديم الظلمات على النور في الذكر؛ لبيان أن الأصل هو العدم والظلمة، وأن النور طارئ مخلوق حادث بنور الله ومشيئته؛ فبطل أصل مذهبهم وثبت التوحيد الخالص.
سر الجمع في {الظُّلُمَاتِ} والإفراد في {النُّورَ}: إشارة بلاغية وعقدية سامقة؛ فالظلمات جُمعت لكثرة مسالك الباطل والضلال والجهل وتفرق أهواء النفس والشياطين؛ وأُفرد النور لأن الحق واحد لا يختلف ولا يتشعب، كقوله تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.
دلالة {ثُمَّ} على التراخي المعنوي والإنكار: لم تأتِ {ثُمَّ} للتراخي الزماني هنا، بل للتراخي في الرتبة والتعجيب التام من هذا العدول غير المنطقي؛ أي: بعد كل هذه البراهين الساطعة على تفرده بالخلق، أيعقل أن يعدلوا به آلهة عاجزة؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار عظمة الخالق عند تأمل تعاقب الليل والنهار وسطوع النور وانبلاج الفجر، وتوجيه الحمد والثناء الخالص لمن خلق ذلك وقدره.
الحذر من الوقوع في أي نوع من أنواع الشرك أو تسوية المخلوق بالخالق في المحبة أو الخوف أو الرجاء أو الطاعة.