أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٠٧)جامع البيانالطبري١١/٣٠٧ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}: «أي لا أحد أشد ظلماً وجرماً ممن اختلق على الله كذباً فزعم أن له ولداً أو شريكاً أو صاحبة، أو زعم أنه أوحى إليه ولم يوحَ إليه شيء، {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} أي جحد حججه وبراهينه والقرآن المنزل على نبيه؛ {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي لا يظفر هؤلاء الظالمون بمطلوب، ولا ينجون من مرهوب، بل مآلهم الخيبة والخسران».
وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن عكرمة: «نزلت في مسيلمة الكذاب والنضر بن الحارث ومشركي قريش الذين جعلوا مع الله إلهاً آخر وكذبوا بالقرآن وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٥٢)مصدر غير محدد٣/٢٥٢: «أي لا أظلم ممن كذب على الله، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، أو افترى على الله شريكاً، وكذلك لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه ودلائله وبراهينه؛ فجمع المشركون بين الرذيلتين: افتراء الكذب وتكذيب الحق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَظْلَمُ
اسم تفضيل من الظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه اللائق به؛ والمراد أشد ظلماً وعدواناً.
افْتَرَىٰ
اختلق واختلق الكذب عمداً وقصداً وزوراً من عند نفسه؛ من الفري وهو القطع.
كَذِبًا
الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع.
يُفْلِحُ
الفلاح هو الظفر بالمراد والفوز والنجاح الدائم والبقاء في النعيم.
وَمَنْ
الواو استئنافية، من اسم استفهام معناه النفي والإنكار مبني في محل رفع مبتدأ.
أَظْلَمُ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِمَّنِ
من حرف جر، من اسم موصول مبني في محل جر متعلق بأظلم.
افْتَرَىٰ
فعل ماضٍ مبني على فتح مقدر والفاعل ضمير مستتر يعود على من، والجملة صلة الموصول.
عَلَى اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بافترى.
كَذِبًا
مفعول به لافترى منصوب بالفتحة (أو مفعول مطلق مبين للنوع).
أَوْ
حرف عطف للتقسيم والتنويع.
كَذَّبَ
ماضٍ معطوف على افترى والفاعل مستتر.
بِآيَاتِهِ
جار ومجرور متعلق بكذب، والهاء مضاف إليه.
إِنَّهُ
إن حرف توكيد ونصب والهاء ضمير الشأن مبني في محل نصب.
لَا
نافية للجنس أو نافية للفعل.
يُفْلِحُ
مضارع مرفوع بالضمة.
الظَّالِمُونَ
فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة الفعل والفاعل خبر إن، وجملة إن مع اسمها وخبرها تعليلية مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مواجهة التكذيب ببيان شناعة الجرم وحتمية الخسران:
بعد أن قرر في الآية السابقة (الآية ٢٠) أن أهل الكتاب يعرفون نبوته كما يعرفون أبناءهم وأن الكافرين خسروا أنفسهم لعدم إيمانهم، جاءت هذه الآية لتبين الجذور النفسية والعقدية لهذا الخسران؛ فبينت أن قمة الجور والظلم تنحصر في مسلكين: إما أن يفترى على الله الباطل بنسبة الشركاء والأنداد إليه، وإما أن يُرد الحق وتُكذب آياته الواضحة؛ فكلا الفريقين خاسر لا يذوق طعم الفلاح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حصر أقصى درجات الظلم في الشرك والتكذيب:
الاستفهام في قوله {وَمَنْ أَظْلَمُ} إنكاري نفييٌّ؛ أي لا أحد أظلم قط؛ وقد يُشكل هذا مع ورود صيغة "ومن أظلم" في مواضع أخر كقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ}.
والتحقيق العقلي التوفيقي (كما حرره ابن تيمية والقرطبي): أن نفي الأظلمية هنا وارد على الجنس المقيد بباب الشرك والتكذيب بالرسالة؛ فلا أحد أظلم في باب الاعتقاد ممن افترى على الله كذباً، ولا أحد أظلم في باب منع العبادة ممن منع مساجد الله، ولا أحد أظلم في باب الشهادة ممن كتمها؛ أو أن كل هذه الأوصاف ترجع إلى أصل واحد وهو الكفر والصد عن سبيل الله وظلم النفس والعباد.
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي القاطع: {وَمَنْ أَظْلَمُ} أبلغ من قول: "لا أحد أظلم"؛ لأنه يستثير عقول السامعين ويحكم ضمائرهم ليعترفوا بعجزهم عن إيراد من هو أظلم ممن افترى على الله.
التذييل المحكم بـ {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}: حرمان مطلق من الفلاح؛ لأن من سلك سبيل الظلم العظيم قد سد على نفسه منافذ النور والرحمة فاستحال فوزه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة اللسان والجنان عن القول على الله بلا علم؛ فتقويل الله ما لم يقله أو التجرؤ على الفتيا والتحليل والتحريم هو من أعظم فروع الافتراء على الله.
تعظيم آيات الله وحججه، والتسليم التام لأمره وحكمه، والحذر من رد الحق بدعوى العرف أو الأهواء.