تفضيل الأنبياء على الخلائق وتخصيص إسماعيل في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٢٧)جامع البيانالطبري١١/٥٢٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ}: «إسماعيل هو الذبيح بكر إبراهيم وجد العرب المستعربة ونبي التضحية والصبر، واليسع صاحب إلياس ونبي بني إسرائيل، ويونس صاحب الحوت نبي نينوى، ولوط ابن أخي إبراهيم نبي سدوم؛ {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} أي فضلنا كل واحد من هؤلاء الأنبياء بنبوته ورسالته على عالمي زمانهم من الإنس والجن؛ فالنبوة أعلى المراتب الإنسانية على الإطلاق».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣١١)مصدر غير محدد٣/٣١١: «يختم تعالى هذه القائمة المباركة من ثمانية عشر نبياً ذكرهم في هذه السورة بذكر إسماعيل واليسع ويونس ولوط، مؤكداً أنه فضل كلاً منهم بالنبوة والوحي على سائر العالمين في عصورهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{وَإِسْمَاعِيلَ}: ابن إبراهيم الأكبر ووالد قيدار وأصل النبوة المحمدية.
{وَالْيَسَعَ}: نبي كريم من بني إسرائيل خلف إلياس في الدعوة؛ واللام فيه قيل أصلية وقيل زائدة.
{وَيُونُسَ}: ذو النون صاحب الحوت.
{وَلُوطًا}: ابن أخي إبراهيم المهاجر معه إلى الشام.
{فَضَّلْنَا}: التفضيل تقديم المفضول بالكرامة والنبوة والدرجات العالية.
{الْعَالَمِينَ}: جمع عالَم؛ والمراد عوالم زمانهم من الخلق، أو مطلق الخلائق ما عدا أولي العزم من الرسل وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم.
القراءات المتواترة في {وَالْيَسَعَ}:
قرأ حمزة والكسائي وخلف: {وَاللَّيْسَعَ} بلامين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة بعد همزة الوصل، وفتح الياء وتخفيف السين (كالليث).
وقرأ الباقون: {وَالْيَسَعَ} بلام واحدة مخففة بعدها ياء مفتوحة وسين مفتوحة.
الإعراب والتركيب:
{وَإِسْمَاعِيلَ}: معطوف على داوود منصوب بالفتحة ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{وَالْيَسَعَ}: معطوف منصوب بالفتحة ممنوع من الصرف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استكمال منظومة الرسل الأربعة عشر بعد الأربعة الكبار:
حسن الترتيب وكمال التنوع؛ ذكر أولاً إسحاق ويعقوب، ثم ذكر ستة من عظماء الأنبياء، ثم أربعة من أهل الزهد، ثم ختم بأربعة يمثلون أبعاداً دعوية شتى: إسماعيل (جد العرب)، واليسع (المجاهد بالصبر)، ويونس (صاحب التوبة والدعاء المكروب)، ولوط (المجاهد في مواجهة الفواحش)؛ ليعلن التفضيل الإلهي العام لهذه النخبة النبوية العظيمة على العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق معنى التفضيل على العالمين والجمع بينه وبين تفضيل أمة محمد:
كيف يجمع بين قوله هنا في حق الأنبياء: {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ}، وبين قوله في حق أمة محمد: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، وتفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟!
والتحقيق الجمعي الإحكامي (القرطبي وابن كثير وابن تيمية):
أن "العالمين" هنا يراد به "عالمو زمانهم"؛ فكل نبي كان مفضلاً على أهل عصره وزمانه، كقوله في مريم: {وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} أي نساء زمانها.
أو يراد به: تفضيل جنس الأنبياء على جنس سائر البشر غير الأنبياء؛ فالنبي أفضل من كل ولي وعالم من غير الأنبياء بالإجماع؛ ولا يمنع هذا من تفاضل الأنبياء فيما بينهم: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}؛ ومحمد صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم وسيد المرسلين قاطبة.
تقديم المفعول {كُلًّا} في {وَكُلًّا فَضَّلْنَا}: لإفادة العناية والعموم؛ فكل واحد من هؤلاء الثمانية عشر نال حظه الأوفى من الاصطفاء والتفضيل الإلهي.
التنوع النحوي بين الممنوع من الصرف والمصروف: فلوط مصروف لخفته، وإسماعيل ويونس ممنوعان؛ إشارة إلى دقة الأوزان اللغوية العربية المعجزة في ضبط الأسماء الأعجمية والمشتقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقير جميع أنبياء الله ورسله وعدم التفريق بين أحد منهم في أصل الإيمان والنبوة: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}.
الاقتداء بيونس في اللجوء والتضرع، وبإسماعيل في الاستسلام والانقياد، وبلوط في مواجهة الفساد والانحراف.