مفاتح الغيب الخمسة وسعة العلم الإلهي المحيط في السنة الصحاح:
أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير، رقم ٤٦٢٧، ٤٧٧٨) ومسلم في "صحيحه" (رقم ٩)مصدر غير محددحديث رقم ٩ والإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٢٦)جامع البيانالطبري١١/٤٢٦ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا}: «ما من شجرة في بر ولا بحر تسقط منها ورقة إلا ويعلم الله متى تسقط وأين تسقط، وكيف تسقط، وما من حبة في ظلمات الأرض إلا ويعلم أين تستقر ومتى تنبت؛ كل ذلك مسطور في كتاب مبين عنده قبل أن يخلق الخلق».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٨٣)مصدر غير محدد٣/٢٨٣: «هذه الآية الكريمة من أعظم آيات القرآن دلالة على إحاطة علم الله بالجزئيات والكليات، ودقيق المخلوقات وجليلها؛ فهو سبحانه يعلم حركات الجمادات والنباتات والحيوانات في ظلمات البر ولجج البحار، لا يغيب عن بصره وعلمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَفَاتِحُ
جمع مَفْتَح بالفتح وهي الخزائن وما يفتح به، أو جمع مِفْتَاح بالكسر وهي الآلة التي يُفتح بها؛ والمراد مغاليق الغيب وخزائنه ومبادئ الأمور.
الْغَيْبِ
ما غاب عن مدارك الخلائق واستأثر الله بعلمه.
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
المستغرق لجميع أرجاء المعمورة اليابسة والمائية.
وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ
أيّ ورقة شجر في أي غابة أو بستان تسقط على وجه الأرض أو في لجج المياه.
حَبَّةٍ
البذرة الدقيقة المتوارية في طبقات التراب وظلمات التربة.
رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ
تقابل يستغرق جميع الأجسام والموجودات؛ فالأشياء إما رطبة فيها حياة ونماء، وإما يابسة جامدة جافة.
كِتَابٍ مُّبِينٍ
اللوح المحفوظ الموضح لكل مقادير الوجود بدقة متناهية.
وَعِندَهُ
الواو استئنافية، عند ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو مضاف والهاء مضاف إليه، وتقديم الظرف يفيد الحصر.
مَفَاتِحُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة وهو مضاف.
الْغَيْبِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
لَا
نافية.
يَعْلَمُهَا
مضارع مرفوع والهاء مفعول به مقدم.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء ملغاة.
هُوَ
ضمير منفصل في محل رفع فاعل مؤخر ليعلمها، وجملة الاستثناء في محل نصب حال مؤكدة لمفاتح الغيب.
مضارع والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب حال من ورقة.
وَلَا
الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد العموم.
حَبَّةٍ
معطوف على ورقة مجرور لفظاً.
فِي ظُلُمَاتِ
متعلق بنعت لمحذوف لحبة وهو مضاف.
الْأَرْضِ
مضاف إليه مجرور.
وَلَا
عاطفة نافية.
رَطْبٍ
معطوف مجرور لفظاً بالكسرة (وقرئ بالرفع عطفاً على المحل).
وَلَا يَابِسٍ
معطوف مجرور بالكسرة.
إِلَّا
أداة حصر.
فِي كِتَابٍ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره (إلا هو في كتاب)، أو بدل من جملة يعلمها.
مُّبِينٍ
نعت لكتاب مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة الإعجاز في تقرير سعة العلم الإلهي وإحاطته بالذرات والقطرات:
بعد أن قرر في الآيات السابقة أن الحكم لله، وأنه أعلم بالظالمين، فتح هنا نافذة على عظمة علمه المطلق ومفاتح غيبه؛ ليدرك العقل البشري هيبته وجلاله؛ فالذي يعلم حركة كل ورقة تسقط من شجر في غابات الأرض، ومسار كل حبة في أعماق التربة المظلمة، وكل رطب ويابس في الأكوان، ومقيد في لوح محفوظ لا يضل ولا ينسى؛ كيف يعجزه عقاب ظالم، أو يخفى عليه مكر كافر، أو يضيع عنده عمل عامل؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض مذاهب الفلاسفة المنكرين لعلم الله بالجزئيات:
الآية صريحة قاطعة في إثبات علم الله التام بكل جزئية من جزئيات العالم مهما دقت؛ رداً على غلاة الفلاسفة (كابن سينا والفارابي وأرسطو) الذين زعموا أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات؛ فجاء القرآن ليفصل في ذكر "الورقة الساقطة"، و"الحبة في ظلمات الأرض"، و"الرطب واليابس"؛ مبيناً أن علمه محيط بالأعيان وحركاتها وتفاصيل أحوالها على جهة الاستقصاء، تعالى الله عن جهل الملاحدة علواً كبيراً.
{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ}: تقديم الظرف للحصر.
{لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}: قصر النفي والاستثناء لاختصاص علم الغيب المطلق بذاته العلية.
الطباق والاستيعاب في {الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} و {رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ}: طباق استقصائي لا يدع شيئاً في الوجود إلا أدخله في دائرة العلم والقيد المسطور في اللوح المحفوظ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
دوام مراقبة الله واستشعار معيته في كل طرفة عين؛ فإذا كان الله يعلم دبيب النملة وسقوط الورقة في غياهب الظلمات، فكيف بحركات قلبك وخواطر ضميرك؟!
الطمأنينة الكاملة للمؤمن؛ فكل ألم يصيبه وكل دمعة يذرفها في سبيل الله معلومة محصاة في كتاب مبين لا يضيع أجرها عند رب العالمين.