أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٣٤)جامع البيانالطبري١١/٣٣٤ عن قتادة في قوله تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}: «هذا إخبار عن مشركي قريش ودهرية العرب؛ أنكروا البعث بعد الموت، وقالوا: إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر، فما ثم دار بعد هذه الدار، ولا حساب ولا عقاب».
وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد والحسن البصري: «قالوا: لا بعث ولا نشور، إنما نموت ونحيا كما تحيا البهائم، فكذبوا بلقاء الله وظنوا أنهم مهملون لا يُسألون».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٥٩)مصدر غير محدد٣/٢٥٩: «أخبر تعالى عن عتاة المشركين أنهم ينكرون المعاد، ويحصرون الوجود في الحياة الدنيا الفانية، زاعمين أنهم لا يُبعثون بعد موتهم تراباً وعظاماً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إِنْ
حرف نفي بمعنى ما؛ أي ما هي إلا حياتنا الدنيا.
حَيَاتُنَا الدُّنْيَا
الدار القريبة الدنية الزائلة؛ والدنيا تأنيث الأدنى لقربها أو لخستها بالنسبة للآخرة.
بِمَبْعُوثِينَ
البعث هو إحياء الموتى وإخراجهم من القبور أحياء للجزاء والحساب؛ والباء لتأكيد النفي.
وَقَالُوا
الواو عاطفة، قالوا ماضٍ والواو فاعل.
إِنْ
حرف نفي مبني على السكون.
هِيَ
ضمير منفصل مبتدأ يعود على الحياة أو على الدار أو هو ضمير القصة.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء ملغاة.
حَيَاتُنَا
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة ونا ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
الدُّنْيَا
نعت لحياتنا مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، وجملة المبتدأ والخبر مقول القول.
وَمَا
الواو عاطفة، ما حجازية تعمل عمل ليس (أو تميمية مهملة).
نَحْنُ
ضمير منفصل في محل رفع اسم ما.
بِمَبْعُوثِينَ
الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، مبعوثين اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر ما الحجازية (أو مرفوع محلاً خبر المبتدأ عند التميميين)، وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان الباعث العقدي الأصيل على الجحود والتكذيب:
بعد أن بين في الآية السابقة أنهم لو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه، كشف هنا عن الجذر الاعتقادي المفسد الذي يكمن وراء كل طغيانهم وجحودهم؛ وهو إنكار البعث والخلود الأخروي؛ فمن استقر في وهمه أنه لا حساب ولا قيامة ولا جزاء استباح كل منكر، وتجرأ على التكذيب بالرسل، واسترخص الرذائل طلباً للذة العاجلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تهافت المنطق المادي الدهري أمام بديهة الحكمة الإلهية:
تحاكم الآية الفلسفة المادية الدهرية؛ فالقول بأن الوجود ينحصر في هذه الحياة الدنيا الفانية وأن الإنسان يندثر بلا بعث محال عقلاً؛ لأنه يستلزم العبثية في الخلق، وتسوية الظالم بالمظلوم، والمجرم بالبريء، وهو ما يتعالى عنه الحكيم الخبير: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}. فالعقل الصريح يوجب داراً أخرى يستوفي فيها المظلوم حقه ويجازى فيها المحسن والمسيء.
أسلوب القصر بـ {إِنْ... إِلَّا}: لإفادة الحصر القاطع؛ يصور استغراق عقولهم في المحسوسات وانغلاقها التام عن عالم الغيب، كأنهم لا يبصرون وراء حواسهم الضيقة شيئاً.
تأكيد النفي بالباء في {بِمَبْعُوثِينَ}: تصوير لعنادهم الشديد وإصرارهم الوقح على التكذيب بالمعاد بالرغم من تواتر دلائله في الأنفس والآفاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ عقيدة البعث والجزاء في النفوس؛ فإنها الركيزة الكبرى للاستقامة الأخلاقية والانضباط السلوكي في المجتمعات.
الحذر من تسلل الرؤية الدهرية المادية المعاصرة التي تختزل الإنسان في الإنتاج والاستهلاك الدنيوي وتغفل عن معاده الأبدي.