تفسير صرف العذاب والفوز برحمة الله المحضة في الأثر النبوي:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٥٦٧٣، ٦٤٦٣) ومسلم في "صحيحه" (رقم ٢٨١٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨١٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
وروى الطبري (ج ١١، ص ٢٩٤)مصدر غير محدد١١/٢٩٤ وابن كثير (ج ٣، ص ٢٤٩)مصدر غير محدد٣/٢٤٩ عن قتادة في قوله: {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ}: «أي من صُرف عنه عذاب ذلك اليوم فقد رحمه الله رحمة عظيمة، ونجا من خزي الأبد؛ فصرف العذاب هو عين الفضل والرحمة الإلهية».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: «{وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ}: النجاة من النار ودخول الجنة هو الظفر الواضح البين الذي لا يخفى على أحد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{يُصْرَفْ عَنْهُ}: يُدفع ويُزال عنه العذاب ويُبعد عنه مكانه.
{يَوْمَئِذٍ}: في ذلك اليوم الهائل، وهو يوم القيامة.
{الْفَوْزُ}: الظفر بالخير والنجاة من الشر والمهالك.
{الْمُبِينُ}: الظاهر الواضح الجلي الذي لا يلتبس بالخسار.
القراءات المتواترة في الآية:
قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف: {مَّن يَصْرِفْ عَنْهُ} بفتح الياء وكسر الراء (مبنياً للفاعل وهو الله سبحانه)؛ والهاء في {عَنْهُ} عائدة على العذاب لدلالة السياق عليه.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ} بضم الياء وفتح الراء (مبنياً للمفعول)، ونائب الفاعل هو العذاب؛ والقراءتان كالآيتين تؤكدان أن الصارف للعذاب هو الله، وأن المنقذ مرحوم بفضل ربه.
الإعراب والتركيب:
{مَّن}: اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُصْرَفْ}: مضارع مبني للمجهول مجزوم بـ من لأنه فعل الشرط وعلامة جزمه السكون، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو (أي العذاب).
{عَنْهُ}: جار ومجرور متعلق بيصرف.
{يَوْمَئِذٍ}: يوم ظرف زمان منصوب وهو مضاف وإذ اسم مبني على السكون في محل جر مضاف إليه ونوّن بالكسر عوضاً عن الجملة المحذوفة (يوم إذ يقوم الحساب).
{فَقَدْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق.
{رَحِمَهُ}: ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله، والهاء مفعول به، وجملة فقد رحمه في محل جزم جواب الشرط؛ وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ (من).
{وَذَٰلِكَ}: الواو استئنافية، ذا اسم إشارة مبتدأ واللام للبعد والكاف للخطاب.
{الْفَوْزُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْمُبِينُ}: نعت للفوز مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب النجاة والرحمة على الخوف من العذاب:
بعد أن أعلن في الآية الخامسة عشرة خوفه من عذاب ذلك اليوم العظيم، بين في هذه الآية أن السلامة من ذلك العذاب لا تكون إلا بمحض رحمة الله؛ فمن صرف الله عنه العذاب فقد نال الرحمة التي كتبها الله على نفسه، وظفر بالفوز المبين الذي لا يدانيه فوز.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق العلاقة بين رحمة الله والعمل الصالح ودخول الجنة:
تجمع الآية والحديث النبوي بين أمرين يتوهم الجاهل تعارضهما:
نفي النجاة بمجرد العمل في الحديث: «لن ينجي أحداً منكم عمله».
وإثبات دخول الجنة بالعمل في قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
والتحقيق العقلي والشرعي الذي قرره المحققون (ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" ج ١، ص ٩) أن الباء في الآية باء السببية؛ فالعمل سبب جعله الله وسيلة للرحمة، بينما الباء في الحديث باء المعاوضة والمقابلة؛ فعمل العبد المحدود المشوب بالنقص لا يكافئ نعمة واحدة من نعم الله، ولا يوجب على الله الجنة استحقاقاً ذاتياً، بل صرف العذاب وإدخال الجنة فضل ورحمة محضة من الله ابتداءً وانتهاءً.
الإشارة بـ {وَذَٰلِكَ} للتعظيم والرفعة: استعمل اسم الإشارة للبعيد {وَذَٰلِكَ} للإشعار بعلو رتبة هذا الفوز وبعد منزلته في الشرف والكرامة؛ فكل فوز في الدنيا دونه حقير زائل.
تسمية النجاة فوزاً مبيناً: لأن صرف العذاب يتضمن النجاة من المرهوب والظفر بالمرغوب، وهو أوضح فوز تدركه العقول حين تنكشف حقائق المعاد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام التضرع إلى الله وسؤاله الرحمة والعفو، والافتقار التام إليه في طلب النجاة من النار.
تصحيح معايير الفوز والخسارة؛ فالفوز الحقيقي ليس في حطام الدنيا الزائل ولا في المناصب الفانية، بل في صرف عذاب يوم القيامة والفوز برضوان الله.