الاعتصام بالبينة وتفويض أمر العذاب لله في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤١٨)جامع البيانالطبري١١/٤١٨ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي في قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}: «أي على بصيرة ويقين وبرهان ساطع ونور نزل عليّ من ربي؛ {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي كذبتم بالحق والقرآن الذي جئتكم به؛ {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب والنقمة التي تقولون استهزاءً: فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم؛ {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} أي ليس أمر إنزال العذاب وتعجيله وتأخيره إليّ، بل هو إلى الله الحكيم العليم، إن شاء عجل وإن شاء أخر، {يَقُصُّ الْحَقَّ} أي يقضي بالحق ويتبع القول بالصدق، {وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} بين عباده بالعدل والقسط».
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: «{يَقُصُّ الْحَقَّ}: أي يقضي بالحق ويفصل بين خلقه، وهو خير الفاتحين والقاضين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{بَيِّنَةٍ}: حجة واضحة جلية وبصيرة لا يعتريها شك ولا ريب؛ والتاء للمبالغة.
{مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ}: ما تطلبون تعجيله من نزول الصواعق والعذاب الذي تتوعدون به.
{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}: قصر مطلق لجميع الأحكام الكونية والشرعية والجزائية على الله وحده.
{يَقُصُّ الْحَقَّ}: يقضي بالحق ويقول الحق ويقص أنباء الصدق؛ من القضاء أو من سرد الأخبار وقص الأثر.
{الْفَاصِلِينَ}: القاضين الذين يفصلون بين الخصوم ويميزون بين الحق والباطل بقضاء حاسم لا جور فيه.
القراءات المتواترة في {يَقُصُّ الْحَقَّ}:
١. قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو جعفر: {يَقُصُّ الْحَقَّ} بضم القاف وتشديد الصاد المضمومة؛ من القَصّ (أي يقص الخبر الحق ويبين الأمور بياناً متتابعاً، أو يقص أثر الحق فلا يحيد عنه).
٢. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف: {يَقْضِ الْحَقَّ} بفتح الياء وسكون القاف وكسر الضاد وتخفيفها من القضاء؛ أي يقضي القضاء الحق ويفصل به، وحذفت الياء في الرسم لالتقاء الساكنين؛ والمعنيان عظيمان متآزران في إثبات القضاء العدل والبيان الصادق لله.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: أمر مبني على السكون.
{إِنِّي}: إن واسمها.
{عَلَىٰ بَيِّنَةٍ}: متعلق بمحذوف خبر إن.
{مِّن رَّبِّي}: نعت لبينة والياء مضاف إليه.
{وَكَذَّبْتُم}: الواو حالية، كذبتم فعل وفاعل والجملة حالية.
{بِهِ}: متعلق بكذبتم والضمير يعود على الرب، أو على القرآن والبرهان.
{مَا}: نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{عِندِي}: متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{مَا}: اسم موصول مبتدأ مؤخر مبني في محل رفع (أو اسم ما).
{إِنِ}: حرف نفي بمعنى ما حرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{الْحُكْمُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{إِلَّا}: أداة حصر ملغاة.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة القصر مستأنفة مقررة لما قبلها.
{يَقُصُّ}: مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
{الْحَقَّ}: مفعول به منصوب بالفتحة (أو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف: يقص القص الحق)، والجملة خبر ثانٍ أو حال.
{وَهُوَ}: الواو استئنافية أو حالية، هو مبتدأ.
{خَيْرُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{الْفَاصِلِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام التمايز بين البصيرة النبوية والجهل الاستعجالي:
ترابط برهاني باهر؛ لما بيّن في الآية السابقة استناده إلى الوحي وبراءته من أهوائهم، وضّح هنا ركيزة هذا الاستناد: {إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}؛ في مقابل تكذيبهم وجهلهم؛ ثم رد على استهزائهم ومطالبتهم بتعجيل العذاب: العذاب ليس بيدي، ولست المتصرف في الكون؛ فالحكم المطلق في الآجال والمقادير لله وحده، وهو الفاصل العادل بين المحق والمبطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حصر الحكم لله ونفي سلطة التحكم بالقدر عن الرسل:
الآية تؤسس لقاعدة التوحيد في الربوبية والتشريع: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}؛ فالرسول ليس إلهاً ولا حاكماً في أقداره التكوينية، فلا يملك إنزال العذاب ولا تأخيره عنهم؛ لأن ذلك راجع لحكمة الله وتدبيره للأزمان؛ كما تبطل الآية كل ادعاء بشري بالتشريع المستقل عن الله؛ فالحكم لله وحده تكويناً وتشريعاً وجزاءً.
التنكير في {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} والتعدية بـ {عَلَىٰ}: يفيد التمكن والتمسك الراسخ؛ صور النبي مستعلياً على حجة باهرة راسخة كأنه على جبل أشم لا تزلزله رياح الشبهات.
التذييل بـ {وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}: اسم تفضيل يبعث السكينة في نفس المحق والرهبة في نفس المبطل؛ فقضاء الله وفاصلته محفوفان بالعدل والحكمة، وهو القادر على كشف زيف المبطلين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة التامة ببصيرة الوحي والاستغناء بالحق عن كثرة أهل الباطل وضجيجهم.
تفويض المقادير وتوقيت النصر والهلاك لله تعالى، وعدم استعجال النتائج؛ فالداعية عليه البلاغ وليس عليه توقيت الحساب.