مرويات الخط المستقيم والصراط عن النبي صلى الله عليه وسلم:
أخرج الإمام أحمد في "مسنده" (رقم 4142)مصدر غير محددحديث رقم ٤١٤٢ والنسائي والدارمي وابن جرير الطبري (12/ 64)مصدر غير محدد١٢/٦٤ والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيماً»، وخط خطوطاً عن يمينه وشماله ثم قال: «وهذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 335)مصدر غير محدد٣/٣٣٥: "لما ذكر تعالى طريق الضالين والمغضوب عليهم الصادين عن سبيله، نبّه على أن هذا الذي شرعه لك يا محمد هو صراطه المستقيم؛ أي المعتدل القويم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ} أي: بيّناها وأوضحناها وجلّيناها، {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي: لقوم يعقلون ويفهمون مواعظ الله ويتدبرون حججه".
قال القرطبي (7/ 88)مصدر غير محدد٧/٨٨: "الصراط المستقيم هو دين الإسلام والقرآن وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومستقيماً حال مؤكدة؛ لأنه لا يكون صراط الله إلا مستقيماً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(صِرَاطُ): الطريق الواسع الواضح السهل الممتد؛ وأصله من السَّرْط وهو الابتلاع؛ لأن الطريق يبتلع السابلة لكثرة سلوكهم فيه.
(مُسْتَقِيمًا): من الاستقامة، وهي الاعتدال والامتداد على سنن واحد دون اعوجاج أو ميل.
(يَذَّكَّرُونَ): أصله (يَتَذَكَّرُونَ) فأُدغمت التاء في الذال للمبالغة، وهو استحضار المعارف الفطرية والتأمل في المواعظ للانتفاع بها.
الإعراب والتركيب:
{وَهَذَا}: الواو استئنافية، (ها) للتنبيه، (ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{مُسْتَقِيمًا}: حال منصوبة من (صراط ربك) مؤكدة لمضمون الجملة، أو نعت مقطوع منصوب.
{قَدْ}: حرف تحقيق.
{فَصَّلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{الْآيَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{لِقَوْمٍ}: جار ومجرور متعلق بـ (فصلنا).
{يَذَّكَّرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل جر نعت لـ (قوم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها الهادي: بعد أن رسمت الآية السابقة مشهدين متقابلين (انشراح صدر المهتدي، وضيق صدر المعاند وتصعده في السماء)، أشارت هذه الآية الكريمة باسم الإشارة القريب {وَهَذَا} إلى هذا المنهج الإسلامي النيّر، لتقول للعقول والحائرين: هذا هو الصراط السوي المستقيم الذي لا حرج فيه ولا ضيق، وقد فصل الله آياته وبسط دلائله لمن أراد التذكر والاعتبار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خصائص الصراط المستقيم في المفهوم الإسلامي:
يمتاز صراط الله المستقيم بخصائص عقلية وتشريعية فريدة:
الوحدة والوضوح: صراط الله واحد لا تعدد فيه ولا تعارض، بخلاف سبل الضلال فإنها متفرقة متناحرة.
الاستقامة ونفي العوج: لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا تناقض بين أحكامه، ولا يحمل العقول ما تعجز عن قبوله.
التفصيل والبيان: مفصل تبياناً لكل شيء يحتاجه البشر في معاشهم ومعادهم.
تخصيص التذكر بأهل العقول المنصفة:
قوله {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}: تنبيه على أن آيات القرآن المفصلة مبذولة لجميع الناس، ولكن المنتفع بها حقيقة هم أصحاب التذكر واليقظة؛ لأنهم يحركون عقولهم وفطرهم لمقارنة الحق بالباطل فيرون بوناً شاسعاً.
الإشارة بالقريب {وَهَذَا}: للدلالة على قرب الصراط وحضوره وظهوره التام؛ فهو بين أيديهم لا يحتاج إلى عناء بحث.
إضافة الصراط إلى اسم (الرب) مقترناً بكاف الخطاب {صِرَاطُ رَبِّكَ}: تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم، وتأكيد على أن هذا الصراط وضعه الرب الرؤوف بعباده المربي لهم بنعمه.
الحالية المؤكدة في {مُسْتَقِيمًا}: لبيان أن الاستقامة صفة ذاتية ملازمة لهذا الدين لا تنفك عنه أبداً.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
أقصر خط بين نقطتين في الهندسة والعقل هو الخط المستقيم؛ وصراط الله المستقيم هو أقصر طريق وأضمنه للوصول إلى مرضاة الله والجنة والنجاة من المهالك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات والاستقامة:
لزوم الصراط المستقيم وعدم الالتفات إلى السبل المبتدعة المنحرفة ذات اليمين وذات الشمال؛ فالسلامة في التمسك بالسنة والقرآن.
التذكر المستمر:
مداومة التذكر والتدبر لآيات الله؛ فالنفس البشرية تنسى وتغفل، والقرآن جاء مذكراً وموقظاً للقلوب.