أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 225)جامع البيانالطبري١٢/٢٢٥ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}: "يقول: لا شريك له في صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وألوهيته، وبذلك الإخلاص أمرني ربي، وأنا أول المسلمين من هذه الأمة؛ أي أول من خضع وانقاد واستسلم لأمر الله بالتوحيد في هذه الأمة المرحومة".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 371)مصدر غير محدد٣/٣٧١: "وقوله: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} قال قتادة: أي من هذه الأمة، وهو كما قال؛ فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وهو الاستسلام لله وحده لا شريك له، كما قال نوح: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، وقال يوسف: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا}، وقال موسى: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ}... ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم هو أول المسلمين المطلق في هذه الأمة الخاتمة، وإمام المسلمين وسيد ولد آدم أجمعين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(الْمُسْلِمِينَ): جمع مسلم، من الإسلام وهو الانقياد والاستسلام والخضوع التام لأمر الله وتوحيده وتجريد العبادة له.
الإعراب والتركيب:
{لَا}: نافية للجنس تعمل عمل إنّ.
{شَرِيكَ}: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (لا)، والجملة حالية أو مؤكدة لمضمون ما قبلها.
{وَبِذَلِكَ}: الواو عاطفة، الباء حرف جر، اسم الإشارة مجرور بالباء متعلق بـ (أُمرت) قُدم للاختصاص.
{أُمِرْتُ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل.
{وَأَنَا}: الواو حالية أو عاطفة، (أنا) ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{الْمُسْلِمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتوكيد الإخلاص والريادة النبوية: جاءت هذه الآية متصلة بالآية السابقة؛ لتوكيد نفي الشريك بالكلية بعد إثبات إخلاص الصلاة والنسك والمحيا والممات لله، ولبيان أن هذا المنهج ليس خياراً شخصياً ولا رأياً مبتدعاً، بل هو "أمر إلهي جازم" لا محيد عنه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرائد الأول والقدوة العظمى والسباق في الانقياد التام لهذا الدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مسألة أولية الإسلام:
دحض شبهة من توهم تعارض قوله {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} مع كون الأنبياء السابقين مسلمين قبله؛ فالجواب المحكم عند أئمة السنة:
أن الأولية هنا أولية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وزمانه؛ فهو أول من أسلم وأجاب دعوة التوحيد في هذا العصر الخاتم.
وقيل: أولية في المرتبة والكمال والشرف؛ فهو إمام المسلمين وسيد الموحدين على الإطلاق.
وقيل: أولية في عالم الميثاق والقدر؛ فهو أول الأنبياء في التقدير وخاتمهم في التنزيل والبعثة.