الوقوف أمام الرب جل جلاله والاعتراف بالحق عند المحاكمة الإلهية:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٣٦)جامع البيانالطبري١١/٣٣٦ وابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ}: «أي حُبسوا وقُضِيَ عليهم بالوقوف بين يدي ربهم للحساب؛ {قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ} أي أليس هذا البعث والحساب والجزاء الذي كنتم تكذبون به في الدنيا هو الحق اليقين؟ {قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا} فاعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف، وحلفوا بربهم بعد فوات الأوان؛ {قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}».
وروى الطبري عن قتادة: «وقفوا على ربهم فعاينوا أمره وصدق رسله، فسألهم مقرراً وموبخاً، فأقروا صاغرين أذلاء».
وذكر القرطبي (ج ٦، ص ٤٠٧)مصدر غير محدد٦/٤٠٧: «معنى وقفوا على ربهم: أي على حكم ربهم وقضائه ومساءلته، وقيل: عُرضوا عليه ومثُلوا بين يديه للحساب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ
أُقيموا في موقف العرض والحساب بين يديه سبحانه؛ وعُدّي بـ {عَلَىٰ} للدلالة على الإشراف والاستسلام التام لسلطانه.
أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ
استفهام تقرير وتوبيخ؛ أي قد تبين لكم أنه الحق المحض الذي لا مرية فيه.
بَلَىٰ
حرف جواب لإبطال النفي وتقرير الإثبات؛ أي بل هو الحق.
فَذُوقُوا
الذوق أصله إدراك الطعم باللسان، واستعمل هنا في معاسفة العذاب والألم استعارة حسية لشدة الاتصال والإحساس بالعقوبة.
وَلَوْ
الواو استئنافية، لو حرف امتناع لامتناع وجوابها محذوف لتهويل الأمر (أي لرأيت منظراً مروعاً هائلاً).
تَرَىٰ
مضارع والفاعل مستتر تقديره أنت.
إِذْ
ظرف زمان لما يستقبل متعلق بترى.
وُقِفُوا
ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذ.
عَلَىٰ رَبِّهِمْ
جار ومجرور متعلق بوقفوا، والهاء مضاف إليه.
قَالَ
ماضٍ والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى.
أَلَيْسَ
الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، ليس ماضٍ ناقص جامد.
هَٰذَا
ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل رفع اسم ليس.
بِالْحَقِّ
الباء حرف جر زائد لتأكيد الخبر، الحق اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ليس، وجملة ليس واسمها وخبرها مقول القول في محل نصب.
الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر؛ أي إن أقررتم بذنبكم فذوقوا؛ ذوقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
الْعَذَابَ
مفعول به منصوب بالفتحة.
بِمَا
الباء حرف جر سببية، ما مصدرية (أو موصولة).
كُنتُمْ
ماضٍ ناقص واسمه التاء والميم للجمع.
تَكْفُرُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كنتم، والمصدر المؤول (ما كنتم تكفرون) في محل جر بالباء متعلق بذوقوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين الإنكار في الدنيا والإقرار المذل في الآخرة:
تقابل برهاني باهر؛ ففي الآية السابقة قالوا مستكبرين: {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}، فعرضهم في هذه الآية مباشرة في مشهد المحاكمة الربانية وهم موقوفون بين يديه؛ ليسألهم الملك الحق: {أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ}، فلا يملكون إلا الإقرار المذل المشفوع بالقسم: {قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا}؛ فكان هذا التقابل كاشفاً لسفاهة كفرهم وموجباً لعدالة عذابهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة الوقوف على الرب جل وعلا عند أهل السنة:
أثبت أهل السنة والجماعة (الدارمي في "الرد على الجهمية" ص ٨٥، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج ٦، ص ٥١٠) أن العباد يقفون حقيقة بين يدي الله تعالى يكلمهم ليس بينهم وبينه ترجمان؛ كما في "الصحيحين" عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب يحجبه».
فالوقوف حقيقي، والخطاب حقيقي صادر عن الله تعالى بصوت وحرف يليق بجلاله، وتعديته بـ {عَلَىٰ} لتأكيد عظمة الموقف وهيمنة الرب وقهر سلطانه على هؤلاء الجاحدين، ولا يلزم من ذلك تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
الاستفهام التقريري بـ {أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ}: استفهام إلزام وتبكيت؛ فالأمر قد تجلى للعيان وبطلت كل الشبهات، وصار المنكر مضطراً للاعتراف بعد فوات الأوان.
التعبير بـ {فَذُوقُوا} واقترانها بـ {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}: استعارة تمثيلية تبين أن العذاب جزاء وفاق لما اقترفوه، فالباء للسببية والعدالة المطلقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعداد ليوم العرض الأكبر والوقوف بين يدي الله عز وجل، وتذكر الموقف الذي لا ينفع فيه كذب ولا اعتذار.
الإيقان بالحق في دار العمل قبل أن يضطر الإنسان للاعتراف به في دار الجزاء فيقال له: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.