أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 197)جامع البيانالطبري١٢/١٩٧ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: "هذا القرآن العظيم الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مبارك في بركته ونفعه وأجره؛ فبركته سابغة في الدنيا والآخرة؛ من اتبعه هُدي، ومن تمسك به نجا، ومن عمل به أُجر ورُحم".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 363)مصدر غير محدد٣/٣٦٣: "يدعو تعالى عباده إلى اتباع هذا الكتاب العظيم المنزل على خاتم الرسل، ونعته بالبركة لكثرة خيراته وفيوض بركاته وعلومه ومعارفه؛ فكل خير في الوجود من سعادة الدنيا والآخرة إنما يُنال باتباعه والعمل به، {فَاتَّبِعُوهُ} في أوامره ونواهيه، {وَاتَّقُوا} الله في مخالفة أمره، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: ليرحمكم الله ببركة هذا القرآن".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مُبَارَكٌ): اسم مفعول من البَرَكَة، وهي ثبوت الخير الإلهي وكثرته وزيادته ونماؤه الدائم في الشيء.
الإعراب والتركيب:
{وَهَذَا}: الواو عاطفة، اسم إشارة مبتدأ.
{كِتَابٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَنزَلْنَاهُ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل رفع نعت لـ (كتاب).
{مُبَارَكٌ}: نعت ثان لـ (كتاب) مرفوع بالضمة.
{فَاتَّبِعُوهُ}: الفاء فصيحة، اتبعوه أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به.
{وَاتَّقُوا}: معطوف أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، ومفعوله محذوف تقديره (واتقوا الله أو عذابه).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية والشهادة الخاتمة للقرآن: بعد أن ذكر كتاب موسى في الآية السابقة {آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ}، ثنّى بذكر الكتاب المهيمن الخاتم؛ القرآن العظيم المشاهد بين أيديهم {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}؛ ليرتب عليه النتيجة الكبرى: ما دامت التوراة قد تمت لموسى، وهذا القرآن قد نزل مباركاً إليكم، فلم يبقَ لكم أي عذر في الإعراض، بل الواجب الفوري هو الاتباع والتقوى لنيل الرحمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة بركة القرآن السابغة العامة:
بيّن المحققون أن بركة القرآن ليست مجرد بركة لفظية يتبرك بها في التلاوة فقط، بل هي "بركة تشريعية وعلمية وسلوكية وحضارية عامة"؛ فمن اتبع القرآن بورك له في عقله، وبورك له في رزقه، وبورك له في وقته وصحته وأهله، وبوركت به أمته ودولته.