أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 192)جامع البيانالطبري١٢/١٩٢ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن جريج في قوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ}: "إن (ثم) هنا ليست لتراخي الزمان، بل لتراخي الأخبار وعلو رتبة الخبر في التلاوة؛ كأنه قال: ثم قل يا محمد إنا آتينا موسى الكتاب التوراة تماماً للنعمة والكرامة على المحسنين من قومه أو تماماً لجزاء إحسانه في طاعته ورسالته".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 362)مصدر غير محدد٣/٣٦٢: "لما ذكر تعالى القرآن العظيم وما اشتمل عليه من الوصايا المحكمات والتشريعات العادلة، عطف بذكر التوراة وكتاب موسى؛ وكثيراً ما يقرن الله بين القرآن والتوراة كقوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ}، {تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} أي: إتماماً لفضله ونعمته على موسى بإحسانه في العبادة والبلاغ، أو تماماً لكل محسن من بني إسرائيل، {وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} مما يحتاجون إليه في دينهم وشرائعهم، {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}".
قال القرطبي (7/ 141)مصدر غير محدد٧/١٤١: "الكتاب هو التوراة؛ وفيه تفصيل الحلال والحرام والفرائض والأحكام لبني إسرائيل".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(تَمَامًا): التمام هو الكمال الذي لا نقص معه؛ وتفصيلاً: بياناً وتشريحاً للأحكام.
الإعراب والتركيب:
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي في الإخبار (عطف قصة على قصة).
{آتَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{مُوسَى}: مفعول به أول منصوب بفتحة مقدرة للتعذر.
{الْكِتَابَ}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة.
{تَمَامًا}: مفعول لأجله منصوب (أي لإتمام النعمة)، أو مصدر في موضع الحال.
{عَلَى الَّذِي}: جار ومجرور متعلق بـ (تماماً).
{أَحْسَنَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَتَفْصِيلًا}: معطوف منصوب على (تماماً).
{لِّكُلِّ شَيْءٍ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ (تفصيلاً).
{وَهُدًى وَرَحْمَةً}: معطوفان منصوبان.
{لَّعَلَّهُم}: لعل واسمها.
{بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ}: متعلق بـ (يؤمنون)، ورب مضاف والهاء مضاف إليه.
القراءات والتوجيه: قرأ الجمهور: {عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} برفع الفاعل المستتر في أحسن (أي على المحسن موسى أو العبد المحسن)، وقرأ يحيى بن يعمر في الشواذ {عَلَى الَّذِي أُحْسِنَ} بالبناء للمجهول أي على ما أحسن الله به إليه من النعم والكرامات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية والقران بين الرسالتين الكبريين: لما بيّن الله شريعة القرآن وصراطه المستقيم المشتمل على الوصايا العشر، أردف ذلك بذكر شريعة موسى وكتابه؛ تنبيهاً على أن الوحي الإلهي متصل بحبل واحد؛ فالقرآن مصدق للتوراة الأصلية ومهيمن عليها، وكلا الكتابين نزل هدى ورحمة وتفصيلاً لإحقاق التوحيد والإيمان باليوم الآخر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التكامل الرسالي بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:
تدرأ الآية شبهات المشركين واليهود؛ فالمشركون كانوا يزعمون أن رسالة محمد بدع من الرسل لم يُسبق إليه، فذكرهم بكتاب موسى وتفصيله المعروف لدى أهل الكتاب؛ واليهود كانوا يزعمون اختصاصهم بالوحي فبين الله أن التوراة أُنزلت هدى ولكن القرآن جاء مهيمناً ومباركاً وموجباً لاتباع الجميع.