سبب النزول ومكانة فقراء الصحابة ومطالب صناديد قريش:
أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" (رقم ٢٤١٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤١٣ وابن ماجه وأحمد والطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٠٣)جامع البيانالطبري١١/٤٠٣ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا! قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع (أي من الرغبة في إسلام زعماء قريش)، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}... الآية».
وأخرج ابن جرير الطبري والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟! أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟! أَنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟! اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك؛ فأنزل الله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}».
وروى الطبري عن قتادة ومجاهد: «{يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ}: أي يعبدونه ويصلون له الصلوات المكتوبة طرفي النهار، مخلصين له الدين لا يريدون إلا وجهه ورضاه وثوابه».
{فَتَطْرُدَهُمْ}: الفاء فاء السببية، تطردهم مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية الواقعة في جواب النفي والفاعل مستتر والهاء مفعول به والميم للجمع.
{فَتَكُونَ}: الفاء عاطفة سببية، تكون مضارع ناقص منصوب معطوف على تطردهم واسمه مستتر.
{مِنَ الظَّالِمِينَ}: متعلق بمحذوف خبر تكون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ثورة تشريعية وأخلاقية باهرة في قلب الصراع؛ فلما أراد كبراء قريش فرض شروطهم الطبقية والاستعلائية على الدعوة بطلب طرد الضعفاء والفقراء من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم كشرط لإصغائهم، جاء النهي الإلهي الصارم ليرسم معالم الأمة المسلمة: الميزان عند الله هو الإخلاص والتضرع بالغداة والعشي وإرادة وجه الله، وليس النسب والمال والجاه؛ فلا مساومة على المستضعفين الصادقين لإرضاء المستكبرين المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات صفة الوجه لله تعالى ودحض شبهات المبتدعة والمؤولة:
أثبت أهل السنة والجماعة (الدارمي في "الرد على بشر المريسي" ص ٥٠، وابن تيمية في "الواسطية" ص ٩) صفة "الوجه" لله تعالى ثبوتاً حقيقياً لائقاً بجلاله وعظمته بمقتضى قوله تعالى: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} وقوله: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ}؛ خلافاً للمعتزلة والجهمية الذين أولوا الوجه بالثواب أو القبلة!
فالمراد أن هؤلاء المؤمنين الصادقين يبتغون بعملهم رؤية وجه الله الكريم في الآخرة ونيل رضوانه الأعلى، والوجه صفة ذاتية ثابتة لله بلا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.
التكرار النفيي المقابل {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم... وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم}: تصوير لانفصال التكاليف والمسؤوليات؛ فكل امرئ بما كسب رهين، ولا يحاسب أحد بذنب غيره ولا بفقره ولا غناه.
التعبير بـ {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}: تعليق عظيم؛ يبرز أن طرد المخلصين وإبعاد الضعفاء الصادقين لإرضاء أهل الدنيا نوع من الظلم الصريح الذي يتعالى عنه مقام النبوة، وفيه أعظم تكريم لمكانة هؤلاء الصحابة الأبرار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إكرام أهل الصدق والإخلاص من الفقراء والمستضعفين وتقديمهم في مجالس العلم والدعوة، وعدم الانخداع بالمظاهر الدنيوية الزائفة.
تصحيح بوصلة الإخلاص في كل طاعة؛ بأن تكون العبادات خالصة لإرادة وجه الله ورضوانه، متجردة من شوائب الرياء والسمعة والجاه.