أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 51)جامع البيانالطبري١٢/٥١ وابن أبي حاتم والبغوي عن مقاتل والسدي: أنها نزلت في كبراء قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة؛ قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقاً لكنت أنا أولى بها منك؛ لأنني أكبر قريش سناً وأكثرهم مالاً! وقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرضى به ولا نتبعه حتى يأتينا وحي كما يأتيه ونؤتى مثل ما أوتي رسل الله؛ فأنزل الله تبارك وتعالى راداً على استكبارهم: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.
توجيهات أئمة السلف والتفسير:
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 332)مصدر غير محدد٣/٣٣٢: "يخبر تعالى عن عتو كفار قريش ومكابرتهم للحق واستكبارهم على النبي صلى الله عليه وسلم، بأنهم إذا جاءتهم آية ودلالة قاطعة على صدقه، قالوا حسداً وبغياً: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} أي: حتى تأتينا الملائكة بالرسالة من الله كما تأتي الرسل... فرد الله عليهم بقوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} أي: هو أعلم بمن يصلح لحمل أعباء النبوة ومن يختاره من خلقه لزكاء نفسه وطهارة باطنه وظاهره وشرف أصله، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}، ثم توعدهم بالعقوبة الصارمة: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ} أي ذل وهوان وصغار مقابل كبريائهم المذموم في الدنيا".
قال القرطبي (7/ 84)مصدر غير محدد٧/٨٤: "الصَّغَار هو الذل والمهانة والحقارة؛ فكما تكبروا عن الانقياد للحق ألبسهم الله ثوب الصغار في الدنيا والآخرة جزاءً وفاقاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(صَغَارٌ): الذل والمهانة والضعة؛ مأخوذ من الصِّغَر ضد الكِبَر؛ وصَغِر الرجل إذا ذلّ وهان قدره.
(يَمْكُرُونَ): من المكر، وهو التدبير الخفي في محاربة الحق والصد عن سبيل الله.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرف لما يُستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{جَاءَتْهُمْ آيَةٌ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، وهم مفعول به مقدم، وآية فاعل مؤخر، والجملة في محل جر بالإضافة.
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
{لَن نُّؤْمِنَ}: لن حرف نفي ونصب واستقبال، نؤمن فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{حَتَّى}: حرف غاية وجر.
{نُؤْتَى}: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره نحن. والمصدر المؤول في محل جر بـ (حتى) متعلق بـ (نؤمن).
{مِثْلَ}: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
{أُوتِيَ}: فعل ماض مبني للمجهول.
{رُسُلُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{اللَّهُ أَعْلَمُ}: الله لفظ الجلالة مبتدأ، أعلم خبره المرفوع.
{حَيْثُ}: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب مفعول به لـ (أعلم) لتضمنه معنى يعلم، أو مفعول فيه لـ (يجعل) على تقدير: يعلم الموضع حيث يجعل رسالته.
{يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}: فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو، رسالته مفعول به والهاء مضاف إليه، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (حيث).
{سَيُصِيبُ}: السين للاستقبال والتحقيق، يصيب فعل مضارع مرفوع.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لـ (يصيب).
{أَجْرَمُوا}: فعل ماض وفاعله، والجملة صلة الموصول.
{صَغَارٌ}: فاعل مؤخر لـ (يصيب) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{عِندَ اللَّهِ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لـ (صغار)، والله مضاف إليه.
{وَعَذَابٌ شَدِيدٌ}: معطوف مرفوع ونعت مرفوع.
{بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}: جار ومجرور وموصول وصلته في محل جر بالباء السببية، متعلق بـ (يصيب).
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: {رِسَالَتَهُ} بالإفراد، والمراد جنس الرسالة.
قرأ ابن كثير: {رِسَالَاتِهِ} بكسر التاء وألف الجمع؛ إشارة إلى تنوع الرسالات السماوية ومراتبها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التوبيخي: بعد أن كشف الله في الآية السابقة عن سنة مكر أكابر المجرمين في كل قرية، بيّن هنا النموذج التطبيقي الصارخ لمكر أكابر قريش واستكبارهم؛ فالمسألة عندهم لم تكن نقصاً في الأدلة، بل كانت حسداً دفيناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطلعاً متكبراً إلى نيل النبوة أو تنزل الملائكة عليهم مباشرة، فجاء الرد القرآني حاسماً بأن النبوة اصطفاء إلهي محض لا يخضع لمعايير الجاهلية المادية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير معيار الاصطفاء النبوي وتفنيد المادية الطبقية:
اعتاد الطغاة وأصحاب الثروات والنفوذ توهم أن المقامات الدينية والروحية يجب أن تتبع المكانة المادية والاجتماعية؛ فالنبوة في زعمهم يجب أن تنزل على زعيم مالي أو قبلي كبير. وأبطل القرآن هذا القياس الجاهلي؛ فالنبوة ليست منصباً سياسياً ولا رتبة دنيوية، بل هي فيض رحمة واصطفاء رباني قائم على كمال الطهارة والزكاء وعلم الله الأزلي بمن هو أهل لحمل الرسالة وأدائها بأمانة.
سنة الجزاء من جنس العمل:
قوله {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ}: مطابقة تامة في ميزان العدل؛ فبما أن علتهم الكبرى كانت "الاستكبار والترفع عن الانقياد للحق"، كانت عقوبتهم الأولى هي "الصَّغَار والذل والهوان" بين يدي الحكم العدل يوم القيامة، مع العذاب الحسي الشديد جزاء مكرهم.
التطاول البالغ في قولهم {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ}: إبراز لقمة الوقاحة والعناد؛ حيث اشترطوا لمجرد الإيمان أن يُعطوا ما أُعطي الرسل من الوحي والآيات.
المقابلة بين العلو الزائف في الدنيا والصغار عند الله: فالمتكبر الذي ينتفخ في مجتمعه يلقى صغاراً وإهانة تكسر أنفه عند الله تعالى.
الإسناد الدقيق في قوله {أَجْرَمُوا}: إشعار بأن شركهم ومكرهم صار جريمة مكتملة الأركان تستحق العقوبة الجنائية الإلهية.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
ما تكبر أحد إلا وضعه الله، وما تواضع أحد لله إلا رفعه؛ فمن طلب العزة بمكافحة دين الله ألبسه الله رداء الصغار والذلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التربوي:
محاربة داء الحسد والكبر؛ فالحسد والكبر هما اللذان منعا إبليس من السجود لآدم، ومنعا كبراء مكة من اتباع خاتم الرسل، والواجب على المسلم الرضا بقسمة الله وتواضع القلب لفضل الله على عباده.
الأدب مع اصطفاء الله:
التسليم المطلق لحكمة الله في اختيار رسله وشرائعه؛ فلا يقترح العبد على ربه، بل يتلقى الوحي بالقبول والإذعان التام.