أسباب النزول ومرويات عادات الجاهلية في الحرث والأنعام:
أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 90)جامع البيانالطبري١٢/٩٠ وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان أهل الجاهلية إذا زرعوا زرعاً أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءاً، ولأصنامهم جزءاً؛ فإذا زالت الريح بشيء مما سُمي لله إلى نصيب الأصنام تركوه وقالوا: شفعاؤنا محتاجون، وإذا زالت الريح بشيء من نصيب الأصنام إلى نصيب الله ردوه إلى الأصنام وقالوا: الله غني عن هذا! وكذلك إذا انحدر الماء من نصيب الله إلى نصيب آلهتهم تركوه، وإن انحدر من نصيب آلهتهم إلى نصيب الله حبسوه وردوه لآلهتهم؛ فأنزل الله تعالى تقريعاً لهم وبياناً لسفه أحكامهم: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}".
وروى مجاهد وقتادة والسدي نحو ذلك: أنهم كانوا إذا أجدبت أرض الأصنام أخذوا من نصيب الله ورعوه لأصنامهم، وإذا أجدبت أرض الله لم يأخذوا من أصنامهم شيئاً؛ فكان نصيب الأوثان عندهم أوفر وأعظم حرمة من نصيب الله الخالق الرازق.
توجيهات أئمة السلف والتفسير:
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 342)مصدر غير محدد٣/٣٤٢: "هذا ذم من الله تعالى وتوبيخ للمشركين الذين ابتدعوا بدعاً وضلالات وشركيات، وجعلوا لله من خلقه نصيباً ولأصنامهم نصيباً، ثم فضلوا نصيب شركائهم على نصيب الله بحكمهم الجائر وأهوائهم الباطلة، كقوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ}".
قال القرطبي في "تفسيره" (7/ 97)مصدر غير محدد٧/٩٧: "هذه الآية وما بعدها هي العمدة التي سُميت بها السورة سورة الأنعام؛ لما تضمنته من تفصيل أحكام الجاهلية في الأنعام والزروع وإبطال تحريم البحائر والسوائب والوصائل، ودحض تشريعاتهم الوثنية الباطلة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(ذَرَأَ): من الذَّرء، وهو الخلق والإنشاء والإيجاد على وجه الإكثار والبث في الأرض.
(الْحَرْثِ): الزرع والنبات والأشجار وثمار الأرض؛ وسُمي حرثاً لأن الأرض تُحرث لإنباته.
(بِزَعْمِهِمْ): الزَّعْم هو القول بلا دليل أو الادعاء الكاذب والظن المتهافت؛ ويُستعمل غالباً فيما يُراد إبطاله وتكذيبه.
(سَاءَ): فعل جامد لإنشاء الذم نقيض (نِعْمَ)؛ أي بئس وقبح حكمهم.
الإعراب والتركيب:
{وَجَعَلُوا}: الواو استئنافية، جعلوا فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثان لـ (جعلوا).
{مِمَّا}: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من (نصيباً).
{ذَرَأَ}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول.
{مِنَ الْحَرْثِ}: متعلق بحال محذوفة مبينة لـ (ما).
{وَالْأَنْعَامِ}: معطوف مجرور.
{نَصِيبًا}: مفعول به أول لـ (جعلوا) منصوب بالفتحة.
{فَقَالُوا}: الفاء عاطفة، قالوا فعل وفاعل.
{هَذَا لِلَّهِ}: مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول.
{بِزَعْمِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في قالوا أو من مقول القول، وهم مضاف إليه.
{فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ}: الفاء تفريعية، (ما) اسم شرط جازم أو اسم موصول مبتدأ، كان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر يعود على (ما)، لشركائهم خبر كان.
{فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط أو واقعة في خبر الموصول لشبهه بالشرط، لا نافية، يصل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، وإلى الله متعلق بـ (يصل).
{وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ}: عاطفة، وإعرابها مطابق لسابقتها مع دخول الفاء في الخبر واقترانها بضمير الفصل (هو).
{سَاءَ}: فعل ماض لإنشاء الذم مبني على الفتح.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل لـ (ساء)، أو نكرة موصوفة في محل نصب تمييز يفسر فاعل ساء المستتر والمخصوص بالذم محذوف.
{يَحْكُمُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
القراءات المتواترة: قرأ الجمهور {بِزَعْمِهِمْ} بفتح الزاي، وقرأ حمزة والكسائي وخلف {بِزُعْمِهِمْ} بضم الزاي؛ وهما لغتان فصيحتان في مصدر (زعم يزعم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التفكيكي للجاهلية: بعد أن رسخت السورة قواعد التوحيد الكلية والغيبيات ومحاكمة الثقلين، انعطفت انعطافاً تفصيلياً نحو الجذور السلوكية والاجتماعية والاقتصادية للوثنية العربية في مكة وما حولها؛ فالشرك ليس مجرد تصور عقلي نظري، بل يترجم إلى منظومة استغلال وسلوك طبقي واقتصادي يمس أقوات الناس وأنعامهم وحروثهم، فكشفت الآية سفه هذا التوزيع وتحكم الأهواء فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية لسفه الشرك والتناقض الذاتي:
تضع الآية العقل البشري أمام تناقض المشركين الفاضح:
هم يعترفون بأن الله هو الذي {ذَرَأَ} وخلق الحرث والأنعام ولم تخلق الأصنام ذرة منها.
ثم يجعلون لمخلوقات الله شريكاً عاجزاً لم يخلق شيئاً.
ثم يبلغ بهم الانحطاط أن يجوروا على نصيب الخالق لمصلحة نصيب الوثن؛ فما كان لله يتساهلون في نقله للأوثان، وما كان للأوثان يمنعونه عن الله بدعوى غنى الله وفقر الأوثان وسدنتها!
وهذا سفه عقلي مركب جمع بين الشرك والظلم وسوء الأدب مع الإله الحق؛ ولهذا ختم الآية بحكم تقبيحي قاطع: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
التذكير بالمنة في قوله {مِمَّا ذَرَأَ}: قبل ذكر النصيب؛ تذكيراً بنعمة الخلق والإيجاد وتشنيعاً بجحودهم؛ فكيف يشاركون غير الخالق فيما خلقه هو وحده؟!
الاعتراض التهكمي في {بِزَعْمِهِمْ}: لإسقاط أي حجية لتقسيمهم، وبيان أنه محض دعوى كاذبة لا تستند إلى شرع ولا عقل.
المقابلة الصورية العجيبة في القسمة الضيزى: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ}؛ تصوير بليغ لتعصبهم الأعمى لأوثانهم على حساب حرمات الله.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الهوى إذا استولى على النفس أفسد موازين العدل وألجأ صاحبه إلى أسخف المسالك؛ فصاحب الهوى قد يغار لكرامة أصنامه وقوانينه الوضعية ولا يغار لحدود الله وشرعه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إخلاص النعم للمنعم:
شكر الله على نعمه كلها؛ فما خلقه الله من ثمار وزروع وأموال يجب أن يُصرف في طاعته وإعطاء حقه للفقراء والمساكين بغير ابتداع ولا شريك.
تطهير العبادات المالية من البدع:
وجوب التقيد بالنصوص الشرعية في النفقات والصدقات والزكوات، وترك التقاليد والعادات المتوارثة المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه.