الموازنة العقلية المذهلة بين خوف الموحد وخوف المشرك في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥١٣)جامع البيانالطبري١١/٥١٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي في قوله تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ}: «يقول إبراهيم لقومه محاكماً إياهم بالعدل والإنصاف: كيف ترجون مني أن أخاف آلهتكم العاجزة التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم لا تخافون الله القادر القهار الجبار، وقد جعلتم له شركاء وعبدتم معه ما لم ينزل به عليكم حجة ولا برهاناً؟! {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} أفريق الموحدين الذين يعبدون رباً قادراً فاطراً، أم فريق المشركين الذين يعبدون حجارة صماء لا تملك شيئاً؟! {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فاحكموا بالحق والإنصاف».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٧)مصدر غير محدد٣/٣٠٧: «هذه حجة عقلية باهرة لا محيد عنها؛ ألزمهم بها الخليل عليه السلام؛ فبين أنهم أولى بالخوف والهلع منه؛ لأنهم تجرأوا على الله بغير سلطان ولا حجة، بينما هو معتصم بالحق الذي فطر السماوات والأرض».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَكَيْفَ أَخَافُ
استفهام إنكاري وتوبيخي وتعجيبي؛ أي لا يعقل أبداً أن أخاف من عاجز.
سُلْطَانًا
حجة وبرهاناً وكتاباً من عند الله؛ والسلطان الحجة لأنها تسلط صاحبها على الخصم وتغلبه.
أَحَقُّ بِالْأَمْنِ
أولى وأجدر بالسلامة والأمن من العذاب والفزع في الدنيا والآخرة.
وَكَيْفَ
الواو عاطفة أو استئنافية، كيف اسم استفهام مبني في محل نصب حال معلق لأخاف عن العمل.
أَخَافُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا.
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ أخاف.
أَشْرَكْتُمْ
ماضٍ والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة صلة ما.
وَلَا
الواو حالية، لا نافية.
تَخَافُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة حالية مؤكدة للإنكار.
أَنَّكُمْ
أن حرف توكيد ونصب والكاف اسمها والميم للجمع.
أَشْرَكْتُم
ماضٍ وفاعله والجملة خبر أن، والمصدر المؤول (أنكم أشركتم) في محل نصب مفعول به لـ تخافون.
بِاللَّهِ
متعلق بأشركتم.
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ أشركتم.
لَمْ
حرف نفي وجزم وقلب.
يُنَزِّلْ
مضارع مجزوم بلم والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
بِهِ
متعلق بينزل.
عَلَيْكُمْ
متعلق بينزل.
سُلْطَانًا
مفعول به لـ ينزل منصوب بالفتحة، وجملة لم ينزل صلة ما.
فَأَيُّ
الفاء فصيحة، أيّ اسم استفهام مبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المحاكمة المنطقية المعكوسة وقلب موازين الخوف:
استدلال جدلي معجز؛ نقل المعركة من دائرة التخويف النفسي إلى محاكمة العقل المجرد؛ فقوم إبراهيم يهددونه ببطش الأصنام وهو موحد لفاطر الكون، فيعكس عليهم السؤال ببراعة: من الأجدر بالخوف؟! أنا الذي أعبد الإله الفاطر القادر، أم أنتم الذين تعبدون أصناماً تافهة لا تملكون على عبادتها دليلاً ولا سلطاناً؟! فجعلهم في زاوية الحصار العقلي التي لا مفر منها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة "اشتراط السلطان المنزّل في العقائد والعبادات":
تؤصل الآية الكريمة لمبدأ عقدي وتشريعي حاسم: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا}؛ فكل عبادة أو عقيدة لم ينزل الله بها حجة وبرهاناً من الوحي فهي باطلة مردودة؛ ولا يجوز في دين الله استحداث شرائع أو أنداد بمجرد الظنون والأهواء؛ فالأصل في العبادات التوقيف والحظر حتى يقوم الدليل؛ ومن عبد ما لم ينزل الله به سلطاناً فهو في قمة الخوف والخطر والضياع.