أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير) وابن جرير الطبري (ج ١١، ص ٣١٢)مصدر غير محدد١١/٣١٢ والنسائي والحاكم والبيهقي عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال: «إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ؛ قال تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وقال في موضع آخر: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}، وقد كتموا هنا وقالوا ما كنا مشركين؟! فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أما قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ...} فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، ولا يغفر شركاً، ويكفر الذنوب عن الموحدين، جحد المشركون وقالوا: تعالوا نحلف لعل الله يرحمنا؛ فحلفوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، فختم الله حينئذ على أفواههم، وتكلمت جوارحهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}».
وروى الطبري وابن كثير (ج ٣، ص ٢٥٣)مصدر غير محدد٣/٢٥٣ عن قتادة والضحاك: «فتنتهم: أي عاقبة كفرهم ومقالتهم حين افتتنوا وابتلوا بالسؤال، فلم يكن لهم جواب إلا أن جحدوا وحلفوا تقية وكذباً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{فِتْنَتُهُمْ}: الفتنة تطلق على الاختبار والبلاء والضلال وعاقبة الأمر والجواب؛ والمراد هنا: لم تكن عاقبة شركهم وابتلائهم بالمساءلة وجوابهم إلا الإنكار الكاذب.
{وَاللَّهِ رَبِّنَا}: قسم بالله مضافاً إلى الربوبية لإظهار التذلل والخضوع بعد فوات الأوان.
{مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}: جحود صريح للشرك بعد معاينة الحساب والعقاب.
القراءات المتواترة في الآية:
قرأ حمزة والكسائي: {ثُمَّ لَمْ يَكُن فِتْنَتُهُمْ} بياء التذكير ونصب {فِتْنَتَهُمْ}؛ وجعل اسم كان هو المصدر المؤول {أَن قَالُوا}؛ والتقدير: لم يكن قولهم إلا فتنتهم.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو عمرو ونافع: {ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ} بتاء التأنيث ورفع {فِتْنَتُهُمْ} على أنها اسم كان، والمصدر المؤول {أَن قَالُوا} في محل نصب خبر كان.
وقرأ حمزة والكسائي أيضاً: {وَاللَّهِ رَبَّنَا} بنصب باء {رَبَّنَا} على النداء؛ أي يا ربنا؛ وقرأ الباقون: {وَاللَّهِ رَبِّنَا} بجر باء {رَبِّنَا} نعتاً أو بدلاً من لفظ الجلالة المجرور بالقسم.
الإعراب والتركيب:
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي والتعجيب.
{لَمْ}: حرف نفي وجزم وقلب.
{تَكُن}: مضارع ناقص مجزوم بالسكون.
{فِتْنَتُهُمْ}: اسم تكن مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه (على قراءة الرفع).
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{قَالُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب خبر تكن.
{وَاللَّهِ}: الواو واو القسم، لفظ الجلالة مجرور بالواو، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره (نقسم والله).
{رَبِّنَا}: نعت للفظ الجلالة مجرور بالكسرة ونا مضاف إليه (أو منادى منصوب بحرف نداء محذوف).
{مَا}: نافية لا عمل لها.
{كُنَّا}: ماضٍ ناقص واسمه ضمير نا.
{مُشْرِكِينَ}: خبر كنا منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة القسم وجوابه في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير الاضطراب النفسي وتهاوي الحجج أمام الفضيحة الكبرى:
اتصال دقيق بالآية السابقة؛ فعندما واجههم الله بسؤال التبكيت: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ}، أُسقط في أيديهم وانقطعت معاذيرهم؛ ولما رأوا رحمة الله تتغمد الموحدين من أصحاب الكبائر وتجاوزه عنهم، توهموا لفرط غبائهم وهول ما هم فيه أن الإنكار والحلف الكاذب قد ينجيهم، فقالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، فكان ذلك غاية الخزي ونهاية التيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد إشكال كذب الكفار يوم القيامة وتعارضه مع عدم كتمان الحديث:
كيف يكذبون في الدار الآخرة وهي دار حق وجزاء ولا تكليف فيها؟!
والجواب المحكم الذي بينه السلف والأئمة (ابن تيمية في "دقائق التفسير" ج ٢، ص ٤٥):
أن يوم القيامة يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة، وله مواطن ومواقف متعددة؛ ففي موطن يذهلون من هول العذاب ويرون نجاة أهل التوحيد فيجحدون شركهم ويحلفون كذباً كما كانوا يحلفون في الدنيا: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ}؛ لأن الطباع الخبيثة تلازم أصحابها حتى تفضحهم الجوارح.
وفي موطن آخر بعد ختم الأفواه وشهادة الألسن والأيدي والأرجل لا يستطيعون كتمان شيء، فيصدق قوله: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}؛ فارتفع التعارض وثبت التناسق التام بين آيات الكتاب العزيز.
تسمية جوابهم وإنكارهم {فِتْنَتُهُمْ}: استعارة تصريحية أو مكنية؛ سمي قولهم فتنة لأنه ثمرة افتتانهم بالشرك في الدنيا واختبارهم ومحنتهم في الآخرة، أو لأن جوابهم في ذاته كذب يفتنون به أنفسهم.
الحلف مع إضافة الربوبية {وَاللَّهِ رَبِّنَا}: تأكيد بليغ يدل على بلوغ الرعب مبلغه؛ لجأوا إلى أعظم أسماء الله واسترحموا بصفة الربوبية ولكن في غير وقتها، فلم يزدهم ذلك إلا افتضاحاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رسوخ التوحيد ونجاة أهله؛ فالآية تبين أن التوحيد هو طوق النجاة الأوحد في المحشر، حتى إن المشركين أنفسهم يحاولون التستر به والتبرؤ من الشرك رجاء الخلاص.
خطورة الكذب واعتياد النفاق؛ فمن عاش على خصلة سيئة في الدنيا قد تغلبه في مواقف الخوف حتى يُختم على فيه وتفضحه جوارحه.