أخرج أبو داود في "سننه" (كتاب الأضاحي، باب في ذبائح أهل الكتاب، رقم 2818)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨١٨ والترمذي والطبري في "جامع البيان" (12/ 26)جامع البيانالطبري١٢/٢٦صحيح بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن اليهود أو المشركين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، نأكل مما نقتل (أي مما نذبحه بأيدينا)، ولا نأكل مما يقتله الله (يعنون الميتة)؟! فأنزل الله تبارك وتعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا...} إلى قوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}".
توجيهات أئمة السلف والتفسير:
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 326)مصدر غير محدد٣/٣٢٦: "هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح التي ذُكر عليها اسمه، ومفهومه ألا يأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه كما صرح به في الآية الآتية، وهذا إبطال لما كان عليه المشركون وأهل الجاهلية من تحريم البحائر والسوائب والوصائل، وتحليل الميتة والذبائح التي ذبحت للأصنام".
قال الإمام القرطبي (7/ 71)مصدر غير محدد٧/٧١: "الآية تتضمن أمراً بإباحة الأكل من المذكاة شرعاً، وهو أمر إباحة في الأصل رُكب عليه شرط الإيمان {إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}؛ لبيان أن التزام الحلال والتحليل والتحريم من أعظم مقتضيات الإيمان بالله وبآياته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ): التسمية عند الذبح بقول: (بسم الله والله أكبر)، وإخلاص الذبح لله وحده دون الأصنام والأنداد.
الإعراب والتركيب:
{فَكُلُوا}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر (إذا تبين لكم الحق وفصلت لكم الآيات فكلوا)، (كلوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل.
{مِمَّا}: (مِن) حرف جر للتبعيض أو للابتداء، (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر، والجار والمجرور متعلق بـ (كلوا).
{ذُكِرَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
{اسْمُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{عَلَيْهِ}: جار ومجرور متعلق بـ (ذكر)، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُم}: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء ضمير متصل اسمه.
{بِآيَاتِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ (مؤمنين)، والهاء مضاف إليه.
{مُؤْمِنِينَ}: خبر (كنتم) منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم. وجواب الشرط محذوف يفسره ما قبله؛ أي: إن كنتم بآياته مؤمنين فكلوا منه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وانتقال النظم البديع من العقائد الكلية إلى الفروع التشريعية:
هذا انتقال فائق الإعجاز في سورة الأنعام؛ فبعد أن أصلت السورة التوحيد الخالص، والوحي والرسالة، وميزان الحكم الإلهي، انتقلت مباشرة إلى قضية يراها البعض جزئية؛ وهي "قضية الذبائح والأطعمة وتحليل ما أحل الله". والسر البلاغي والتشريعي في هذا الانتقال هو بيان أن "الشريعة والتحليل والتحريم فرع لا ينفك عن توحيد الربوبية والألوهية"؛ فمن يُفرد الله بالعبادة لزمه حتماً أن يفرده بالتشريع في مأكله ومشربه ومطعمه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ربط التشريع الغذائي بالعقيدة والتوحيد:
دحض شبهة الجاهلية في تفريق الدين عن شؤون الحياة المعيشية؛ فالمشركون كانوا يستغربون تدخل الوحي في الأطعمة وتحريم الميتة، فبيّن الله أن استباحة الحلال وترك الحرام مظهر من مظاهر الإيمان العملي {إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}.
مسألة اشتراط التسمية على الذبيحة:
استدل جمهور الفقهاء بهذه الآية والآية التي تليها على وجوب ذكر اسم الله على الذبيحة، وأن التسمية شعار التوحيد وفارق جوهري بين ذبيحة المسلم الموحد وبين ذبيحة المشرك؛ فالذبح إزهاق للروح المملوكة لله، ولا يُستباح إزهاقها إلا بإذنه وباسمه سبحانه.
الفاء الفصيحة في {فَكُلُوا}: رابطة لواقع التشريع بحقيقة التوحيد المتقدم؛ أي إن كنتم قد عرفتم ربكم واستيقنتم بصدق كلماته وعدلها فافعلوا ما أُمرتم به وكلوا مما ذكر اسم الله عليه.
الشرط المهيج للهمم {إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}: أسلوب تحضيضي يهيج عاطفة الإيمان في قلوب المؤمنين ليمتثلوا أمر الله ويفارقوا عادات الجاهلية.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
ذكر اسم الله على الطعام والشراب يورث البركة والنور في البدن، ويجعل الأكل عبادة يتقوى بها العبد على طاعة مولاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شمولية الإسلام للحياة كلها:
تربية المسلم على أن الإسلام منهج حياة كامل لا يعزل العبادات الشعائرية عن السلوكيات اليومية كالمطاعم والمشارب والمعاملات؛ فالكل محكوم بشرع الله.
التحذير من التحريم والتحليل بغير برهان:
وجوب الوقوف عند حدود ما أحل الله وما حرّم دون ابتداع قيود وتقاليد جاهلية في الأطعمة والملابس ما أنزل الله بها من سلطان.