أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٢٥٦-٢٦٥)جامع البيانالطبري١١/٢٥٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ}: «هما أجلان: فأما الأجل الأول: فهو أجل العبد من يوم وُلد إلى أن يموت وينقضي عمره في الدنيا؛ وأما الأجل الثاني المسمى عنده: فهو أجله من يوم يموت إلى يوم يُبعث ويقوم للجزاء والحساب؛ وهو البرزخ والقيامة لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل».
وروى الطبري عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة: «{قَضَىٰ أَجَلًا}: أجل الدنيا إلى موت الإنسان؛ {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ}: أجل الآخرة ويوم القيامة؛ ثم أنتم بعد هذا البيان تشكون في البعث بعد الموت!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِّن طِينٍ
خلق أصل البشر وهو آدم عليه السلام من طين، ثم سلالته من نطفة وتراب.
قَضَىٰ
حكَم وألزم وقدّر تقديراً حتمياً لا يتخلف.
مُّسَمًّى
مقطوع به ومعين محدد في علم الله الأزلي لا يزاد فيه ولا ينقص.
تَمْتَرُونَ
تشكون وترتابون وتجادلون بالباطل؛ من المِرية وهي أشد الشك وأقبحه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من خلق الآفاق إلى خلق النفس البشرية وحتمية الآجال:
تسلسل برهاني معجز؛ بعد أن استدل في الآية الأولى بالآفاق الكونية الكبرى (السماوات والأرض والظلمات والنور)، انتقل في هذه الآية إلى دليل الأنفس الأقرب إلى الإنسان: خلقه ابتداءً من طين مهين، وتحديد مدة بقائه في الدنيا بأجل محتوم، وتقدير يوم بعثه بأجل آخر مسمى عنده؛ فبرهن على طلاقة القدرة في الخلق والتقدير، وألزم المنكرين بوجوب الإيقان بالنشأة الآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال شبهة الشك في البعث بعد الإقرار بأصل الخلق:
تبرهن الآية عقلياً على تهافت شبهة منكري القيامة: فالذي قدر على خلق الإنسان ابتداءً من طين ولم يكن شيئاً مذكوراً، وقضى لكل فرد أجلاً معلوماً ينتهي بموته، قادر قطعاً وبديهة عقلية على إعادته وبعثه في الأجل المسمى المضروب للقيامة؛ فالإعادة أهون في حكم العقل من البدء؛ فالتذييل بقوله {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} إنكار عقلي صارم على هذا الشك المتناقض.
الأولى {ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا}: للتراخي الزماني بين أصل خلق الإنسان وبداية أجله وحياته.
الثانية {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ}: للتراخي المعنوي والتعجيب من وقوع الشك والامتراء بعد وضوح هذه الدلائل القطعية في خلقه وفنائه.
التنكير في {أَجَلًا} والتعريف بالوصف في {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ}: إشعار بأن أجل الموت الدنيوي معروف ومشهود يُرى بالأعين، أما أجل القيامة والبعث فمستأثر به عند الله في غيبه المطلق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذكر أصل الخلقة من طين، مما يورث العبد التواضع لله ونبذ الكبر والخيلاء.
الاستعداد الدائم للأجل المحتوم، واليقين بأن الأنفاس معدودة وسينتهي أجل الدنيا لتبدأ الدار الآخرة.