تفسير الإبسال والارتهان والشراب الحميم في مأثور السنة والآثار:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٧١)جامع البيانالطبري١١/٤٧١ وابن أبي حاتم والحاكم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة في قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا}: «أي اترك هؤلاء المشركين الذين سخروا من الدين واستهزأوا بآيات الله وجعلوا عباداتهم مكاءً وتصدية، وخدعتهم زينة الدنيا؛ {وَذَكِّرْ بِهِ} أي وعظ بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ}: قال ابن عباس ومجاهد: تبسل: أي ترتهن وتسلم للهلاك والعذاب؛ وقال قتادة: تحبس وتفضح؛ {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} أي لا قريب ينصرها ولا شفيع يخلصها؛ {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا} أي لو فدت نفسها بملء الأرض ذهباً ليُقبل منها فدية ما قُبل منها».
وفي قوله: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ}: أخرج الطبري عن السدي: «الحميم: الماء المغلي الذي انتهى حره حتى يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء، بما كانوا يكفرون ويجحدون آيات الله».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٩٤)مصدر غير محدد٣/٢٩٤: «يأمر تعالى بالإعراض عن المعاندين الذين اتخذوا شرع الله هزواً ولهواً، وأن ينذر بالقرآن الناس لئلا تسلم النفوس إلى الهلاك وترتهن بذنوبها يوم لا ينفع فداء ولا شفاعة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَذَرِ
فعل أمر من وذر بمعنى اترك وأعرض ودعهم في غيهم؛ وحذفت الواو في المضارع والأمر.
لَعِبًا وَلَهْوًا
باطلاً واستهزاءً وتشاغلاً عن طاعة الله وشرعه.
وَغَرَّتْهُمُ
خدعتهم بمتاعها الزائل وزينتها الفانية وظنوا أن لا بعث بعدها.
تُبْسَلَ
الإبسال في كلام العرب له معانٍ تدور حول: الارتهان، والحبس، والإسلام للمهالك، والمنع؛ يقال: أبسل فلان بكذا أي أُرتهن به وأُسلم للعقوبة.
تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ
العدل هنا الفداء؛ يقال: عدل الشيء بالشيء إذا فداه بمثله؛ أي لو تفتدِ بكل فداء لا يقبل منها.
حَمِيمٍ
ماء مغلي اشتد غليانه وبلغ الغاية في الحرارة.
وَذَرِ
الواو استئنافية، ذر فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين والفاعل مستتر تقديره أنت.
الَّذِينَ
اسم موصول مفعول به لـ ذر مبني في محل نصب.
اتَّخَذُوا
ماضٍ والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
دِينَهُمْ
مفعول به أول وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
لَعِبًا
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
وَلَهْوًا
معطوف منصوب.
وَغَرَّتْهُمُ
ماضٍ والتاء للتأنيث والهاء مفعول به والميم للجمع.
الْحَيَاةُ
فاعل غرتهم مرفوع بالضمة.
الدُّنْيَا
نعت للحياة مرفوع بضمة مقدرة.
وَذَكِّرْ
أمر معطوف على ذر وفاعله مستتر.
بِهِ
متعلق بذكر والهاء تعود على القرآن.
أَن
حرف مصدري ونصب.
تُبْسَلَ
مضارع مبني للمجهول منصوب بأن.
نَفْسٌ
نائب فاعل مرفوع بالضمة، والمصدر المؤول (أن تبسل) في محل نصب مفعول لأجله بتقدير (مخافة أن تبسل أو كراهة أن تبسل).
بِمَا
الباء سببية، ما موصولة أو مصدرية متعلق بتبسل.
كَسَبَتْ
ماضٍ والتاء للتأنيث والفاعل مستتر والجملة صلة ما.
لَيْسَ
ماضٍ ناقص جامد.
لَهَا
متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم.
مِن دُونِ
متعلق بحال محذوفة من ولي وهو مضاف.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
وَلِيٌّ
اسم ليس مؤخر مرفوع بالضمة.
وَلَا
عاطفة نافية.
شَفِيعٌ
معطوف على ولي مرفوع بالضمة، وجملة ليس واسمها وخبرها في محل رفع نعت ثانٍ لنفس.
وَإِن
الواو حالية أو اعتراضية، إن شرطية جازمة.
تَعْدِلْ
مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره هي يعود على نفس.
كُلَّ
مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب وهو مضاف.
عَدْلٍ
مضاف إليه مجرور.
لَّا
نافية.
يُؤْخَذْ
مضارع مبني للمجهول مجزوم جواب الشرط.
مِنْهَا
متعلق بيؤخذ ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على العدل.
أُولَٰئِكَ
أولاء اسم إشارة مبتدأ والكاف للخطاب.
الَّذِينَ
اسم موصول خبر المبتدأ مبني في محل رفع.
أُبْسِلُوا
ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة صلة الموصول.
بِمَا
متعلق بأبسلوا.
كَسَبُوا
ماضٍ والواو فاعل وصلة ما.
لَهُمْ
متعلق بمحذوف خبر مقدم.
شَرَابٌ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة.
مِّنْ حَمِيمٍ
نعت لشراب.
وَعَذَابٌ
معطوف مرفوع.
أَلِيمٌ
نعت لعذاب مرفوع.
بِمَا
متعلق بأليم أو بمحذوف كائن.
كَانُوا
ماضٍ ناقص واسمه الواو.
يَكْفُرُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كانوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسدال الستار على المستهزئين وتصوير فظاعة الارتهان الأخروي:
مشهد قاطع مروع؛ فبعد أن نهى عن مجالس الخوض وبيّن براءة المتقين، أمر نبيه بترك هؤلاء الذين تلاعبوا بالدين واغتروا بالدنيا؛ ثم وجه الإنذار إلى حقيقة الارتهان الأخروي الصادمة: كل نفس سترتهن بما كسبت وتُسلم لجهنم، ولن يفك وثاقها مال ولا نسب ولا شفاعة؛ ولو جاءت بملء الأرض ذهباً فدية لم يقبل منها؛ لتذوق الحميم المغلي والعذاب الأليم بما كفرت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ} وبطلان الفداء المالي يوم القيامة:
تحاكم الآية أوهام المشركين وأهل الدنيا الذين ظنوا أن أموالهم وفداءهم قد ينفعهم في الآخرة كما ينفعهم في محاكم الدنيا ورشاوى الحكام؛ فأكدت الآية أن المحكمة الأخروية لا تقبل فداءً مادياً: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا}؛ لأن المعاملة هناك قائمة على عمل القلب والجوارح لا على الأموال؛ فالنفس مرتهنة بعملها محبوسة بكسبها: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}.