هذه الآية الكريمة من أعظم آيات التنزيه، وقد بيّن أئمة السنة والسلف الصالح معناها بياناً جلياً يدفع ضلال المعطلة ونفي المعتزلة لرؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" (كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}، رقم 7437) ومسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم 182)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٢ عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته».
روى الطبري في "جامع البيان" (11/ 564)جامع البيانالطبري١١/٥٦٤ بإسناده عن قتادة في قوله: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}: "هو أعظم من أن تدركه الأبصار".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 313)مصدر غير محدد٣/٣١٣: "وقوله: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} قال بعض المعتزلة: هذا نفي لرؤيته في الدنيا والآخرة، وخالفوا في ذلك أهل السنة والجماعة، وما تواترت به النصوص الصريحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة... ولكن الذي عليه المحققون من أهل السنة أن الإدراك أخص من الرؤية؛ فالإدراك هو الإحاطة بالمرئي، ونفي الإخص لا يستلزم نفي الأعم؛ فالرائي يرى الشيء ولا يحيط به علماً ولا إدراكاً، كما قال تعالى في قصة موسى وأصحاب فرعون: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا}، فنفى الإدراك مع إثبات التراءي والرؤية؛ فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم ولكن لا تحيط به أبصارهم لعظمته وجلاله، كما يعلمونه ولا يحيطون به علماً {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}".
ونقل القرطبي في "تفسيره" (7/ 54)مصدر غير محدد٧/٥٤ عن ابن عباس وعكرمة والشافعي وأحمد وسائر أئمة السنة أن نفي الإدراك هنا هو نفي الإحاطة، وهو مدح وكمال لعظمته تعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(الْإِدْرَاكُ): في لسان العرب: اللحوق بالشيء والإحاطة به من جميع جوانبه وبلوغ نهايته؛ يقال: أدركت الثمرة إذا نضجت وبلغت كمالها، وأدرك فلان فلاناً إذا لحقه وأحاط به. فالإدراك هو الرؤية مع الإحاطة والشمول لكافة حدود المرئي.
(اللَّطِيفُ): من أسماء الله الحسنى؛ وهو الذي لطف عن أن يُدرك بالحواس، والذي يوصل الخير والرحمة إلى عباده في خفاء ورفق من حيث لا يحتسبون، الدقيق العلم بخفايا الأمور.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها: لما قرر في الآية السالفة أنه الوكيل على كل شيء والخالق لكل شيء، بيّن في هذه الآية كمال تنزهه وعظمته؛ حتى لا يتوهم أحد أن كونه وكيلاً وخالقاً يقتضي مماثلته للمخلوقات أو إمكانية الإحاطة به بالحواس. فجاءت الآية لتثبت عظمته المانعة من إحاطة الأبصار به، مع كمال علمه المحيط بدقائق خلقه وأبصارهم وخفايا ضمائرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد شبهة المعتزلة في نفي رؤية الله:
احتجت المعتزلة بالآية على نفي رؤية الله في الآخرة، وزعموا أن نفي الإدراك نفي للرؤية مطلقاً.
الرد العلمي العقلي والنقلي الصارم:
الفرق اللغوي والشرعي بين الرؤية والإدراك: الإدراك قدر زائد على مجرد الرؤية؛ هو الرؤية مع الإحاطة. والله تعالى يُرى ولا يُدرك، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علماً؛ قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} فنفى الإحاطة العلمية ولم ينفِ أصل العلم، فكذلك ينفي الإدراك البصري ولا ينفي أصل الرؤية.
سياق المدح والكمال: نفي الإدراك هنا مسوق في معرض المدح والتعظيم؛ والمدح إنما يكون بنفي الإدراك لمن يمكن أن يُرى ولكنه أعظم من أن يُحاط به. أما نفي الرؤية عما لا يمكن رؤيته أصلاً فليس بمدح بذاته، إذ العدم لا يُرى ولا يمدح بنفي الرؤية عنه.
النصوص المتواترة الصريحة: تواترت أحاديث رؤية المؤمنين لربهم في الجنة تواتراً قطعياً رواه نحو ثلاثين صحابياً، وأجمع عليه سلف الأمة وأهل الحديث، وقرره القرآن في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، وفي قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وفسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، وفي قوله عن الكفار: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}، فدل بمفهومه على أن المؤمنين غير محجوبين.
دفع إشكال نفي الإدراك في الدنيا: أجمع أهل السنة على أن الله لا يراه أحد في الدنيا ببصره؛ لضعف القوى البشرية في هذه الدار الفانية عن احتمال رؤية النور الإلهي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» (رواه مسلم).
المقابلة التامة: بين {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} وبين {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}؛ مقابلة بين عجز المخلوق عن الإحاطة بكمال الخالق، وكمال إحاطة الخالق بكل دقائق المخلوق.
التعبير بـ (الْأَبْصَارُ) بصيغة الجمع والتعريف: ليفيد استغراق كافة الأبصار لجميع الخلائق من الإنس والجن والملائكة، فكلها عاجزة عن إدراكه والإحاطة به سبحانه.
عظمة الرب تملأ النفس مهابة وتعظيماً؛ فهو قريب بعلمه ورحمته ولطفه، عالٍ بذاته وصفاته عن كنه مخلوقاته وحدود أفهامهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التربوي والرقابة الذاتية:
إذا علم العبد أن بصره عاجز عن إدراك ربه، بينما بصر ربه يدركه في كل خلوة وجلوة ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، استحى من مولاه أن ينظر إلى محرم أو يضمر ما لا يرضاه الله.
الشوق الإيماني:
غرس الشوق في قلوب الصالحين إلى ذلك النعيم الأعظم في جنات الخلد، يوم يُكشف الحجاب فينظرون إلى وجهه الكريم بلا إحاطة ولا تكييف، فيكون ذلك ألذ ما نالوه في الدار الآخرة.