سعة رحمة الله وكتابتها في الأحاديث الصحاح وأقوال المفسرين:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٣١٩٤، ٧٤٠٤) ومسلم في "صحيحه" (رقم ٢٧٥١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٥١ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» (وفي لفظ: «سبقت غضبي»).
وأخرج مسلم في "صحيحه" (رقم ٢٧٥٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٥٤ عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسع وتسعون ليوم القيامة».
وروى الطبري (ج ١١، ص ٢٨٠)مصدر غير محدد١١/٢٨٠ وابن كثير (ج ٣، ص ٢٤٦)مصدر غير محدد٣/٢٤٦ عن قتادة في قوله: {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}: «أي قضى على نفسه وأوجب بفضله وإحسانه لعباده، فلا يعاجل بالعقوبة بل يمهل ويتوب على من تاب».
وفي قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ}: أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد: «هو قسم أقسم الله به ليجمعن الخلائق أولهم وآخرهم في عرصات القيامة ليجزي كل نفس بما تسعى».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كَتَبَ
الإيجاب والإلزام والعهد المحتوم؛ والله يوجب على نفسه ما يشاء تفضلاً وكرماً، كما قال: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.
الرَّحْمَةَ
إرادة الإحسان والإنعام والتجاوز عن المذنبين وإمهال المعاندين.
لَا رَيْبَ فِيهِ
لا شك ولا مرية في وقوعه وحقيقته.
خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ
أضاعوها وأهلكوها بالخلود في النار وحرمانها من النعيم المقيم، ولا خسران أعظم من خسران الذات.
قُل
أمر مبني على السكون.
لِّمَن
اللام حرف جر، ومن اسم استفهام مبني في محل جر متعلق بمحذوف خبر مقدم.
مَّا
اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
فِي السَّمَاوَاتِ
جار ومجرور صلة الموصول.
وَالْأَرْضِ
معطوف.
قُل
فعل أمر، وفيه إلزام لهم بالجواب إن سكتوا عجزاً وإقراراً.
لِّلَّهِ
اللام حرف جر، ولفظ الجلالة مجرور، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو لله) أو متعلق بالمبتدأ المقدر، والجملة مقول القول الثاني.
كَتَبَ
فعل ماضٍ والفاعل مستتر تقديره هو.
عَلَىٰ نَفْسِهِ
جار ومجرور متعلق بكتب، والهاء مضاف إليه.
الرَّحْمَةَ
مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
لَيَجْمَعَنَّكُمْ
اللام واقعة في جواب قسم محذوف تقديره (والله)، يجمعنكم مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل هو والكاف مفعول به والميم للجمع.
إِلَىٰ يَوْمِ
متعلق بيجمعنكم، وتضمين الجمع معنى السوق والانتهاء.
الْقِيَامَةِ
مضاف إليه مجرور.
لَا رَيْبَ فِيهِ
لا نافية للجنس، ريب اسمها مبني على الفتح، وفيه جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، والجملة حالية أو مستأنفة.
الَّذِينَ
اسم موصول مبتدأ.
خَسِرُوا
ماضٍ وفاعله، والجملة صلة الموصول.
أَنفُسَهُمْ
مفعول به لخسروا، والهاء مضاف إليه.
فَهُمْ
الفاء رابطة لجواب الموصول لما فيه من معنى الشرط، هم ضمير منفصل مبتدأ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أسلوب السؤال والجواب المتصل وإلزام الخصم بالإقرار:
أسلوب قرآني حجاجي باهر؛ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسألهم: {لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وحيث إنهم يقرون بأن الملك لله وحده ولا يستطيعون أن ينسبوا السماوات والأرض لأصنامهم، لم ينتظر جوابهم بل لقن النبي صلى الله عليه وسلم الجواب الصادع: {قُل لِّلَّهِ}؛ ثم قرن هذا الملك التام برحمة سابغة كتبها على نفسه؛ لئلا ييأسوا، وليدركوا أن تأخير عذابهم ليس عجزاً، بل هو بمقتضى رحمته التي كتبها على نفسه، ليجمعهم إلى يوم لا مفر منه للعدل والجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق معنى وجوب الرحمة على الله ورد شبهات المعتزلة والجهمية:
قرر أهل السنة والجماعة (ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج ٨، ص ٤٦٠، وابن القيم في "مدارج السالكين" ج ١، ص ٣٥٠) أن هذا الإيجاب {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ} هو إيجاب تفضل وإحسان أوجبه الله على نفسه بكرمه وحكمته، لا أن أحداً من خلقه أوجبه عليه أو تحكم عليه؛ خلافاً للمعتزلة الذين زعموا وجوب الصلاح والأصلح على الله بحكم العقل كإيجاب السيد على عبده؛ فالله تعالى هو الموجب على نفسه تفضلاً، وهو المستحق للحمد المطلق.
ودفع إشكال الجمع بين كتب الرحمة وبين عذاب الكافرين: رحمته عامة في الدنيا بإمهالهم ورزقهم وبعثة الرسل إليهم، فإن أصروا على الكفر وحرموا أنفسهم أسباب الرحمة الخاصة بالآخرة صاروا هم الذين جنوا على أنفسهم: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.
التضمين في قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}: عُدّي الجمع بـ {إِلَىٰ} لتضمينه معنى السوق والحشر التام؛ أي يجمعكم سائقاً إياكم ومنتهياً بكم إلى يوم القيامة، دلالة على الإحاطة التي لا يندّ عنها أحد.
التعبير بـ {خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}: استعارة تمثيلية مستمدة من عالم التجارة؛ جعل النفس هي رأس المال الوحيد للإنسان، فمن اشترى بها الكفر والشهوات العاجلة وباع الإيمان قد خسر رأس ماله وباء بالهلاك الأبدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فتح باب الأمل والرجاء أمام العصاة والمذنبين بتذكيرهم بسعة رحمة الله التي كتبها على نفسه وسبقت غضبه.
محاسبة النفس وتفقد رأس المال الحقيقي؛ واليقين بأن أعظم غبن وخسارة هو أن يخسر الإنسان نفسه في نار جهنم.