أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (11/ 582)جامع البيانالطبري١١/٥٨٢صحيح وابن أبي حاتم وعبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة قال: "كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عز وجل عدواً بغير علم، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}".
وروى عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لتنتهينّ عن سب آلهتنا أو لنهجونّ ربك؛ فأنزل الله تعالى نهي المسلمين عن سب أوثانهم حتى لا يتسببوا في سب الله عز وجل".
توجيهات أئمة الفقه والتفسير وأصل قاعدة سد الذرائع:
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (7/ 61)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٦١: "في هذه الآية حكم باقٍ في هذه الأمة؛ وهو أن من كان محقاً في شيء وأفضى به إظهاره إلى مفسدة أعظم من المصلحة المطلوبة وجب عليه تركه؛ فنهى الله تعالى المؤمنين عن سب آلهة المشركين - مع كونها باطلة لا حرمة لها - لكون ذلك ذريعة إلى أن يسب المشركون رب العزة سبحانه جهلاً وحمية جاهلية، وحفظ جناب الرب سبحانه عن السب أعظم الواجبات".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 318)مصدر غير محدد٣/٣١٨: "يقول تعالى ناهياً لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين وهو الله لا إله إلا هو".
قرر أئمة الأصول ومنهم ابن القيم في "إعلام الموقعين" والشاطبي في "الموافقات" أن هذه الآية أصل عظيم وقاعدة ركينة من قواعد الشريعة في "سد الذرائع" و"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(السَّبُّ): الشتم، وذكر المساوئ والقبائح بقصد التحقير والإهانة.
(عَدْوًا): العَدْو هو التجاوز والتعدي والظلم؛ من (ع د و) ومثله العدوان، وهو نقيض العدل والقصد.
(زَيَّنَّا): من التزيين، وهو جعل الشيء يبدو حسناً ومحبباً في النفس والاعتقاد.
الإعراب والتركيب:
{وَلَا}: الواو استئنافية أو عاطفة، (لا) ناهية جازمة.
{تَسُبُّوا}: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به.
{مِن دُونِ اللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من العائد المحذوف، أي (يدعونهم كائنين من دون الله).
{فَيَسُبُّوا}: الفاء سببية، (يسبوا) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية في جواب النهي وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب.
{عَدْوًا}: مفعول لأجله منصوب، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (يعتدون عدواً)، أو حال منصوبة بمعنى (معتدين ظالمين).
{بِغَيْرِ عِلْمٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال ثانية، أي جاهلين بقدر الله وجلاله.
{كَذَلِكَ}: جار ومجرور في محل نصب نعت لمصدر محذوف (زيّنا تزييناً كذلك التزيين).
{زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}: فعل ماض، و(نا) فاعل، (لكل أمة) متعلق بـ (زينا)، (عملهم) مفعول به.
{ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ}: ثم حرف عطف وتراخٍ، (إلى ربهم) خبر مقدم، (مرجعهم) مبتدأ مؤخر.
{فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: الفاء عاطفة، ينبئهم فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، وما موصولة في محل جر بالباء، وجملة كانوا صلتها.
القراءات المتواترة: قرأ الجمهور {عَدْوًا} بفتح العين وإسكان الدال (مصدر عدا يعدو)، وقرأ يعقوب الحضرمي والحسن البصري {عُدُوًّا} بضم العين والدال وتشديد الواو جمع (عادٍ) كـ (شاهد وشُهُود).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التشريعي الحكيم: بعد أن حسمت الآيات السابقة الموقف من الشرك وأمرت الرسول باتباع الوحي والإعراض عن المشركين، وضعت هذه الآية ضابطاً عملياً بالغ الدقة في سلوك المسلمين تجاه كفار قريش ومعبوداتهم الباطلة؛ حتى لا يدفع الحماس الإيماني والغيرة على التوحيد إلى سب الأصنام سباً شتامياً يؤدي برد فعل عكسي إلى تجاسر السفهاء على سب الله الواحد القهار جهلاً وظلماً. فالسياق متصل بتهذيب وسائل الخطاب الدعوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تأصيل فقه سد الذرائع والموازنة بين المصالح والمفاسد:
بيّنت الآية قاعدة عقلية وتشريعية كبرى: أن الفعل المأذون فيه أو المندوب (كإهانة الباطل) إذا كان وسيلة تفضي غالباً إلى مفسدة راجحة أو محرم قطعي (كسب الله تعالى) فإنه يُحرم وجوباً؛ حفظاً للمقاصد العليا.
الفرق بين إبطال الباطل وبين السباب المجرد: ليس في الآية نهي عن إبطال الشرك بالبراهين العقلية والحجج الشرعية وبيان عجز الأصنام؛ فإن القرآن طافح ببيان خستها وعجزها {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ}، وإنما النهي متوجه إلى "السباب والشتيمة المجردة" التي لا تقيم حجة وإنما تثير الحمية الجاهلية والتعصب الأعمى.
عقيدة أهل السنة أن الله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات؛ فإذا اختار العبد الباطل وانغمس فيه، خلى الله بينه وبين هواه وزين له عمله قدراً وخلقاً عقوبةً له على استكباره، والشيطان يزين له وسوسة وإغواءً. فلا تعارض بين الإسناد إلى الله قدراً وخلقاً، وإلى الشيطان وسوسة، وإلى العبد كسباً ومباشرة.
التعبير بـ {الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}: إيثار الاسم الموصول على لفظ الأصنام ليشمل كل معبود من دون الله؛ كالملائكة والمسيح والأصنام، وللإشعار بعلة النهي.
التقييد بـ {عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}: إظهار لبشاعة الجريمة التي قد يقدم عليها المشركون؛ فهم يسبون الله ظلماً واعتداءً لفرط جهلهم بقدر الرب العظيم وسفاهة عقولهم.
الجملة التزييلية التهديدية: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ تفيد الحصر والوعيد الشديد بأن مرجع كل أمة إلى الله فيجازي المزين لهم أعمالهم بما يستحقون.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
العاقل يزن مآلات أقواله وأفعاله؛ فرب كلمة تصدر عن غيرة غير منضبطة تفضي إلى منكرات جسيمة تشوه صورة الدين وتفتح أبواب الطعن في المقدسات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأدب النبوي والمنهج الدعوي الحكيم:
ترشيد الخطاب الدعوي والابتعاد عن البذاءة والسباب والشتائم حتى مع أعتى الخصوم؛ فالدعوة إلى الله تبنى على الدليل والرحمة والإنصاف، والسباب سلاح العاجز الذي يولد العناد.
تطبيقات معاصرة في فقه المآلات:
تحريم إثارة النعرات وتوجيه الإهانات التي تجر إلى الطعن في ثوابت الإسلام؛ والواجب على المسلم في حواراته ومناظراته أن يلتزم العفة اللفظية والمنهج البرهاني الرصين.