مشهد القدوم على الله فرادى وتلاشي الأنداد والأموال في الأثر والسنن:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٦٥٢٧)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٢٧ ومسلم (رقم ٢٨٥٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٥٩ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُحشرون حفاة عراة غرلاً، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال: يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض! ثم قرأ: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٦١)جامع البيانالطبري١١/٥٦١ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {فُرَادَىٰ}: «أي وحداناً ليس معكم مال ولا بنون ولا عشيرة ولا خدم، فرادى عن كل ما كنتم تتباهون به في الدنيا؛ {وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ} أي ما أعطيناكم وملّكناكم من الأموال والخدم والأنعام تركتموه وراء ظهوركم لا يغني عنكم شيئاً؛ {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ} الأصنام والأنداد التي زعمتم في الدنيا أنها شفعاؤكم وتشترك مع الله في استحقاق العبادة؛ {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} انقطعت الصلات والأسباب بينكم وبينهم، {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} من شفاعتهم ونفعهم فصار هباءً».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٢٠)مصدر غير محدد٣/٣٢٠: «يخبر تعالى عما يخاطب به الكفار يوم القيامة تقريعاً وتوبيخاً؛ حيث يحشرهم فرادى مجردين من كل أسباب الدنيا، وتنقطع بينهم وبين آلهتهم كل صلة، فيعاينون الخسران المطلق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{فُرَادَىٰ}: جمع فردان أو فريد؛ أي وحداناً فرادى منفردين عن الأهل والمال والنصير.
{خَوَّلْنَاكُمْ}: أعطيناكم وتفضلنا به عليكم من النعم والأموال؛ من التخويل وهو الإعطاء والتمكين.
{وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}: أهملتموه وخلفتموه في الدنيا فلم تصحبوا منه شيئاً إلى القبر والمحشر.
{وَضَلَّ}: غاب وتلاشى وبطل أثره من شفاعات الأوثان.
القراءات المتواترة في {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} بنصب نون {بَيْنَكُمْ} على الظرفية، وفاعل تقطع ضمير مستتر يعود على الوصل أو الجمع أو الأمر (أي تقطع الوصل بينكم).
وقرأ حمزة والكسائي والكسائي وخلف: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمْ} برفع نون {بَيْنُكُمْ} على الفاعلية لـ تقطع؛ أي تقطع وصلكم واجتماعكم؛ والبين يطلق على الوصل والافتراق.
الإعراب والتركيب:
{وَلَقَدْ}: الواو عاطفة أو استئنافية، اللام موطئة لقسم محذوف، قد حرف تحقيق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المشهد التجريدي التام في عرصات الحشر وسقوط كل الأوهام:
بعد أن صور احتضارهم في غمرات الموت، نقلهم هنا إلى الموقف الأكبر أمام الجبار جل جلاله؛ ليواجههم بهذا الخطاب التقريعي الذي يخلع القلوب: جئتمونا حفاة عراة غرلاً فرادى كما خلقناكم أول مرة، وخلفتم وراءكم كل الأموال والقصور والخدم، واختفت كل الأصنام والشفعاء التي زعمتموها؛ فتقطعت الحبال، وبطلت الأوهام، وتجرد الإنسان أمام ربه فرداً يلاقي عمله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الحشر الفردي وتهافت شفاعات الأنداد:
تبرهن الآية على حقيقة وجودية كبرى: الإنسان يولد فرداً ويموت فرداً ويُبعث فرداً ويحاسب فرداً: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}؛ فكل تعلق بالمخلوقين من رؤساء أو أحبار أو أصنام طلباً للشفاعة دون إذن الله سراب باطل يتلاشى عند أول لحظة في المحشر؛ فالآية تسقط كل أمل شركي في النجاة بغير التوحيد والعمل الصالح.
التصوير الحسي في {وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}: كناية بديعة عن الانقطاع التام عن الدنيا؛ فالأموال والعقارات التي أفنى عمره في جمعها والتقاتل عليها ألقاها وراء ظهره ومضى إلى قبره بخرقة كفنه، ولم ينفعه إلا ما قدم من عمل صالح.
التعبير بـ {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}: استعارة انقطاع الحبال والصلات؛ صور علاقتهم بمعبوداتهم بحبال وأواصر تقطعت وانبتت فلم يبقَ منها شيء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلب من التعلق بالدنيا وأموالها، واستحضار مشهد الوقوف فرداً بين يدي الله عز وجل.
البراءة من كل الشفعاء الباطلين والاعتصام بالتوحيد الخالص؛ فإنه الناصر الوحيد يوم تنقطع الأسباب والصلات.