أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 23)جامع البيانالطبري١٢/٢٣ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}: "بين الله لنبيه وللمؤمنين أن الكثرة ليست مقياساً للحق ولا ميزاناً للهدى؛ فأكثر أهل الأرض في ذلك الوقت كانوا على الشرك والضلالة وعبادة الأوثان، ولو اتبع الناس الكثرة لضلوا عن الصراط المستقيم".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 325)مصدر غير محدد٣/٣٢٥: "يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، وقال: {وَإِن كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}، وقال: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ}... ثم بيّن علة ضلالهم فقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} أي: ليسوا على يقين وبصيرة وبرهان، وإنما هي أهواء وظنون باطلة تلقوها عن أسلافهم، {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} أي: يكذبون ويخرصون على الله ما لم ينزل به سلطاناً".
قال الإمام الفخر الرازي في "مفاتيحه" (13/ 120)مصدر غير محدد١٣/١٢٠: "هذه الآية قاعدة كلية في إبطال التمسك بالإجماع الساذج للعامة أو الاحتجاج بالكثرة العددية في إثبات العقائد، بل المدار على الدليل والبرهان القاطع".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(سَبِيلِ): الطريق الواضح الموصل إلى الغاية؛ وسبيل الله دينه وشرعه وتوحيده.
(الظَّنَّ): الاعتقاد الراجح غير المبني على دليل قطعي، ويُطلق في سياق الذم على الأوهام والتخرصات والأهواء.
(يَخْرُصُونَ): من الخَرْص، وهو الحَزْر والتخمين والقول بالظن الكاذب بغير علم؛ والخرّاص هو الكذاب الذي يختلق الأقوال بلا بينة.
الإعراب والتركيب:
{وَإِن}: الواو استئنافية، (إن) حرف شرط جازم.
{تُطِعْ}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{أَكْثَرَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{مَن}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها الفكري التأسيسي: بعد أن قرر في الآية السابقة تمام كلمات الله صدقاً وعدلاً ووجوب اتباع وحيه المفصل، حذر الله تعالى هنا من أعظم عائق نفسي يصد الناس عن اتباع الحق المعصوم؛ وهو "فتنة الكثرة" وسطوة الرأي الشائع؛ فبين أن معيار الحق لا يُقاس بعدد التابعين، بل بصحة الدليل، وأن السواد الأعظم من أهل الأرض يتبعون الظنون والتخرصات، فلا يجوز الاغترار بإجماعهم على الباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض مغالطة الاحتجاج بالكثرة (الاحتكام إلى شيوع الرأي):
تؤصل الآية لقاعدة منهجية في نظرية المعرفة الإسلامية: الكثرة العددية ليست دليلاً على الصواب ولا مسوغاً لقبول الأفكار؛ فالحق حق وإن سلكه واحد، والباطل باطل وإن ركبه الملايين.
كشف زيف العقائد الوثنية والأيديولوجيات الوضعية: بيّنت الآية أن كل ملة أو نحلة تصد عن سبيل الله تقوم على ركيزتين واهيتين:
{الظَّنَّ}: اتباع الأوهام النفسية والتخمين الساذج دون سند علمي.
أسلوب الحصر المزدوج: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}، {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}؛ بصيغة النفي بـ (إن) والاستثناء بـ (إلا)؛ لحصر تصرفاتهم ومحركاتهم الفكرية في الجهل والافتراء ونفي أي أثارة من علم حقيقي لديهم.
التنكير والدلالة العامة في {أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ}: للتأكيد على عموم هذا المرض البشري وشموله لمختلف البقاع والأزمان؛ فلا يغتر مؤمن بالضجيج العالمي إن كان على خلاف الوحي.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
قال الفضيل بن عياض رحمه الله كلمة جامعة مستقاة من هذه الآية: "عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستقلال الفكري وحصانة المسلم:
تربية المؤمن على الثقة المطلقة بالحق، والتحرر من التبعية للاتجاهات السائدة (الموضة الفكرية والثقافية) أو الرأي العام المنحرف؛ فالمسلم لا يكون إمّعة، بل يزن العالم كله بميزان الوحي.
الثبات في زمن الغربة:
تثبيت قلوب الصالحين والدعاة حين يشهدون قلة المستجيبين وكثرة المعرضين؛ فالمعية مع الحق ومع الله لا مع الأغلبية التائهة.