أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 202)جامع البيانالطبري١٢/٢٠٢ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وقتادة: "كان مشركو قريش قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يرون ما أحدث اليهود والنصارى من التحريف والتبديل والاختلاف في دينهم، فيقولون: لعن الله اليهود والنصارى كفروا بكتبهم واختلفوا، أما والله لئن أنزل الله علينا كتاباً أو بعث فينا نبياً لنكونن أهدى منهم وأقوم قيلاً وأثبت على الحق! فأنزل الله راداً عليهم وفاضحاً لأمانيهم: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ...}".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 364)مصدر غير محدد٣/٣٦٤: "يقول تعالى: وكذلك أنزلنا هذا القرآن لئلا تعتذروا فتقولوا لو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من اليهود والنصارى؛ فقد جاءكم ما كنتم تتمنونه وتدّعونه؛ جاءكم برهان واضح وهدى ونور ورحمة على لسان خاتم النبيين، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} أي: أعرض عنها وانصرف وصد غيره عنها، {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ} أي: أشد العذاب وأنكاه في نار جهنم، {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} أي: بسبب إعراضهم وصدهم عن الحق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(صَدَفَ): الصَّدَف هو الإعراض الشديد والتولي والميل عن الشيء بجفاء واستكبار، ويشمل إعراض المعرض وصده لغيره.
(بَيِّنَةٌ): الحجة الواضحة الكاشفة للحق تمييزاً له عن الباطل.
الإعراب والتركيب:
{أَوْ}: حرف عطف.
{تَقُولُوا}: معطوف منصوب بحذف النون والواو فاعل.
{لَوْ}: شرطية غير جازمة تفيد الامتناع.
{أَنَّا}: أنّ واسمها (نا)، والمصدر المؤول في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره (ثبت).
{بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}: جار ومجرور وموصول وصلته في محل جر بالباء السببية متعلق بـ (نجزي).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتطويق المعاذير الكاذبة بالواقع المحقق: في الآية السابقة قطع اعتذارهم بـ "العجز عن الفهم للغات الأخرى"، وهنا قطع اعتذارهم الثاني المبني على "دعوى التفوق الافتراضي"؛ حيث كانوا يزعمون أنهم لو أوتوا كتاباً لكانوا أهدى من أهل الكتاب؛ فلما جاءهم الكتاب الأعظم والآيات البينات، نكصوا على أعقابهم وكذبوا وصدفوا؛ فاستحقوا الخزي الأبدي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط أماني المدعين عند نزول التكليف:
تفضح الآية ظاهرة نفسية وبشرية خطيرة: وهي أن الإنسان قبل نزول المحنة أو التكليف قد يدعي من نفسه الشجاعة والاهتداء والتفوق، ويقول: (لو أُعطيت كذا لفعلت كذا وكذا)، حتى إذا جاءه الامتحان الواقعي وحضرت البينة نكص وتخاذل وكذب. فالإيمان ليس بالأماني ولا بالتزكية الزائفة، بل بالانقياد العملي للحق حين يسطع برهانه.
جمع الصادفين بين التكذيب والإعراض والصد:
بينت الآية أن جناية هؤلاء لم تكن مقتصرة على التكذيب المجرد، بل تعدت إلى الصدف؛ وهو الإعراض العنيد والصد لغيرهم عن اتباع القرآن، فاستحقوا لذلك (سُوءَ الْعَذَابِ) وهو أفظع العذاب وأشده نكالاً.