تفسير الآثار في عناد المشركين وإعراضهم عن دلائل النبوة:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٧٤-٢٧٨)مصدر غير محدد١١/٢٧٤ وابن أبي حاتم وابن كثير عن قتادة ومجاهد والسدي: «يخبر الله تعالى عن عناد كفار قريش ومشركي العرب؛ فما جاءتهم دلالة ومعجزة وبرهان قاطع وحجة واضحة من آيات القرآن ودلائل النبوة وآيات الآفاق إلا قابلوها بالإعراض والصدود والتكذيب والاستكبار؛ لا لنقص في وضوح الدليل بل لفساد طبائعهم واستحكام عنادهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِّنْ آيَةٍ
الآية هي العلامة الباهرة والدلالة القاطعة على صدق الرسول ووحدانية الخالق.
مُعْرِضِينَ
صادّين مولين وجوههم وقلوبهم عنها، لا يتفكرون فيها ولا يتدبرونها.
وَمَا
الواو استئنافية، ما نافية مهملة تفيد الحصر مع إلا.
تَأْتِيهِم
مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به مقدم والميم للجمع.
مِّنْ
حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
آيَةٍ
فاعل تأتيهم مجرور لفظاً بمن الزائدة مرفوع محلاً.
مِّنْ آيَاتِ
متعلق بمحذوف نعت لآية، وآيات مضاف، وربهم مضاف إليه والهاء مضاف إليه ثانٍ.
إِلَّا
أداة حصر.
كَانُوا
فعل ماضٍ ناقص واسمها الواو.
عَنْهَا
متعلق بمعرضين.
مُعْرِضِينَ
خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ وجملة كانوا عنها معرضين في محل نصب حال من الضمير في تأتيهم (أو استثناء مفرغ من أعم الأحوال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح الموقف النفسي المعاند للمشركين تجاه آيات الله:
ربط بديع بالواقع؛ بعد أن نصب لهم الأدلة الكونية في الآيات الثلاث السابقة، كشف هنا علة عدم انتفاعهم بها: العلة ليست في خفاء البراهين، بل في مرض نفوسهم؛ فهم قوم اتخذوا "الإعراض المسبق" قراراً ومنهجاً ثابتاً، فكلما نزلت آية أو ظهر برهان ولّوا أدبارهم وأعرضوا لئلا تلزمهم الحجة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض مغالطة طلب المزيد من المعجزات مع وجود الإعراض المسبق:
تكشف الآية حقيقة عقلية ساطعة: المعاند الجاحد لا تفيده كثرة الآيات ولا غرابة المعجزات؛ لأن المشكلة في إرادته واستكباره لا في الدليل؛ فالذي يعرض عن كل آية تأتيه لا ينفعه أن يُفلق له البحر أو تُنزل عليه ملائكة؛ لأن قلبه مغلف بالإعراض والرفض المبدئي للحق.
التأكيد بـ "من" الزائدة الاستغراقية في {مِّنْ آيَةٍ}: لإفادة الشمول التام؛ أي ما من آية قط، صغيرة كانت أو كبيرة، كونية أو قرآنية، إلا واجهوها بالجحود.
إضافة الآيات إلى الرب المنعم {مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ}: تعظيم لشناعة جرمهم؛ فهي آيات صادرة من ربهم الذي رباهم بنعمه وخلقهم وتكفل بأرزاقهم، فكان حقها الإجلال لا الإعراض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تسلية الدعاة والمصلحين عند مواجهة صدود المعاندين وإعراضهم، واليقين بأن ذلك ديدن أهل الباطل في كل عصر.
الحذر من داء الإعراض عن مواعظ القرآن وآيات الله، والحرص على تدبر الوحي والانقياد له فور سماعه.