الصلة بين التوحيد وإقام الصلاة وتقوى الله في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٨٦)جامع البيانالطبري١١/٤٨٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ}: «عُطف على قوله: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ أي وأمرنا بأن نوحد الله ونسلم له، وأمرنا بأن نقيم الصلاة المفروضة بحدودها وركوعها وسجودها وخشوعها، ونلزم تقواه بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ {وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فتجمعون يوم القيامة فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٩٧)مصدر غير محدد٣/٢٩٧: «قرن تعالى بين إسلام الوجه له، وبين إقام الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية وعماد الدين، وبين التقوى التي هي ملاك الأمر كله، وذكر بالمعاد والحشر إليه ليكون وازعاً للنفوس على الثبات والاستقامة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَقِيمُوا الصَّلَاةَ
الإقامة هي الإتيان بالشيء قويماً مستوفياً لشروطه وأركانه وواجباته وخشوعه على الوجه الأكمل.
وَاتَّقُوهُ
اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بطاعته واجتناب معاصيه.
الواو عاطفة، أن مخففة من الثقيلة أو مصدرية معطوفة على قوله (لنسلم)؛ والتقدير: وأمرنا بأن نسلم وبأن أقيموا الصلاة (أو عطف على المصدر المؤول).
أَقِيمُوا
فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والجملة صلة أن.
الصَّلَاةَ
مفعول به لأقيموا منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَاتَّقُوهُ
الواو عاطفة، اتقوا أمر والواو فاعل والهاء مفعول به.
وَهُوَ
الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
الَّذِي
اسم موصول خبر المبتدأ مبني في محل رفع.
إِلَيْهِ
جار ومجرور متعلق بيحشرون قدم للحصر.
تُحْشَرُونَ
مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل مرفوع بثبوت النون، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج الاستسلام القلبي بالانقياد العملي الصارم:
ترابط محكم؛ فلما أمر في الآية السابقة بالاستسلام القلبي التام لرب العالمين: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، فصل هنا أعظم معالم هذا الاستسلام؛ وهو إقامة الصلاة التي هي صلة العبد بربه، وملازمة التقوى التي تصون الجوارح من الانحراف؛ ثم ربط ذلك بالحشر الأخروي إليه وحده ليكون المحرك الأكبر للمداومة والإخبات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مكانة الصلاة في حفظ الهداية ومنع الانتكاس والحيرة:
تتصل الآية بمثل الحيران في الآية السابقة؛ فالصلاة هي "البوصلة المعرفية والروحية" التي تحمي المسلم من التيه والاستهواء الشيطاني؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}. فالعبد الذي يقيم الصلاة خمس مرات في اليوم يستحضر صراطه المستقيم ويكرر طلب الهداية: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؛ فاستحال أن يضل أو يركس في مهاوي الحيرة.