تفسير الإضراب وظهور الخفايا وطبيعة الكذب المتجذر في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٣٠)جامع البيانالطبري١١/٣٣٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ}: «أي ظهر لهم عياناً ما كانوا يكتمونه في الدنيا من الشرك والتكذيب وشهادة جوارحهم عليهم، وظهر لهم صدق ما جاءت به الرسل مما كذبوا به في الدنيا».
وروى الطبري عن قتادة والسدي والحسن البصري: «{بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ}: كانوا يخفون كفرهم ويحلفون: والله ربنا ما كنا مشركين، فبدت فضيحتهم بشهادة الألسن والجوارح وبدت النار التي كانوا ينكرونها؛ ثم أخبر علام الغيوب عن خبث طويتهم فقال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في وعدهم بالإيمان لو ردوا؛ لأن الكفر طبيعة راسخة في نفوسهم».
وذكر ابن كثير (ج ٣، ص ٢٥٨)مصدر غير محدد٣/٢٥٨: «هذا إضراب عن تمنيهم الرد إلى الدنيا، وبيان أن هذا القول منهم لم يكن عن رغبة صادقة في الإيمان، بل لفرط ما فاجأهم من الفضيحة وظهور ما كانوا يسرونه؛ والله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فأخبر سبحانه بعلمه الأزلي أنهم لو أُعيدوا إلى دار الدنيا لعادوا إلى كفرهم وعنادهم، وأنهم كاذبون في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَلْ
حرف إضراب وانتقال؛ لإبطال دعواهم السابقة في تمني الإيمان وتزييف نيتهم.
بَدَا
ظهر وبرز للعيان بعد خفاء واستتار.
يُخْفُونَ
يسترون ويكتمون في ضمائرهم أو في أقوالهم من كفر وتكذيب.
لَعَادُوا
العود هو الرجوع إلى الشيء والبدء فيه ثانية.
لَكَاذِبُونَ
اللام لام التوكيد، والكذب الإخبار بخلاف الواقع في زعمهم أنهم سيؤمنون إن رُدوا.
بَلْ
حرف إضراب وابتداء مبني على السكون.
بَدَا
فعل ماضٍ مبني على فتح مقدر على الألف.
لَهُم
جار ومجرور متعلق ببدا.
مَّا
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ بدا.
كَانُوا
ماضٍ ناقص واسمه الواو.
يُخْفُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كانوا، وجملة كانوا صلة ما.
مِن قَبْلُ
جار ومجرور متعلق بيخفون، وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى.
وَلَوْ
الواو عاطفة أو اعتراضية، لو شرطية غير جازمة.
رُدُّوا
ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
لَعَادُوا
اللام واقعة في جواب لو، عادوا ماضٍ والواو فاعل والجملة جواب لو لا محل لها.
لِمَا
اللام حرف جر، ما موصولة أو مصدرية في محل جر متعلق بعادوا.
نُهُوا
ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة نهوا صلة ما.
عَنْهُ
متعلق بنهوا.
وَإِنَّهُمْ
الواو حالية، إن حرف توكيد والهاء اسمها والميم للجمع.
لَكَاذِبُونَ
اللام المزحلقة، كاذبون خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة إن مع اسمها وخبرها في محل نصب حال مؤكدة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط الأقنعة وكشف حقيقة الباعث النفسي للتمني:
حبكة برهانية ونفسية في منتهى الإعجاز؛ فبعد أن أطلقوا صرخة التمني الكبرى {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ}، أضرب القرآن عن هذا المشهد بحرف {بَلْ} الصارم؛ ليكشف الحقيقة العارية: ليس تمنيكم هذا طلباً للإيمان ولا حباً في الله، بل لأن الحقيقة التي كنتم تخفونها وتتسترون بجحدها قد برزت وفضحتكم، ولأنكم رأيتم العذاب؛ ولو استجيب لكم ورجعتم إلى دار التكليف لنسيتم هذا الهول ولعدتم إلى كفركم وطغيانكم؛ فالمرض كامن في فساد إرادتكم لا في نقص الحجج.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات علم الله بالمعدوم وما لم يكن لو كان كيف يكون:
الآية الكريمة عمدة قطعية لأهل السنة في إثبات سعة علم الله الأزلي التام المحيط بالمعدومات والممتنعات؛ فعلم الله لا يقتصر على ما كان وما هو كائن، بل يعلم ما لم يكن لو قُدّر كونه كيف كان يكون؛ فردهم إلى الدنيا ممتنع محال شرعاً وقدراً، ومع ذلك أخبر الله بعلمه المحيط أنهم لو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه؛ وهذا يدمغ شبهات القدرية والمعتزلة الذين ضيقوا في علم الله أو نفوا علمه بأفعال العباد قبل وقوعها.
الإضراب بـ {بَلْ}: أسلوب قرآني قاطع يبدد أوهام القارئ؛ يمنعه من التعاطف مع تمنيهم الكاذب، ويحيله إلى حقيقة مكرهم وفساد ضمائرهم.
التأكيد بـ {لَعَادُوا} و {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}: استخدام اللام الموطئة للقسم واللام المزحلقة وإن التوكيدية؛ للتأكيد الجازم على أن طبائع الطغيان متجذرة لا يغيرها مجرد الوعيد، ما لم تصدق الإرادة القلبية في التوبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصدق مع الله في التوبة والبعد عن توبة الاضطرار أو التوبة الكاذبة التي تزول بزوال الشدة.
اليقين بأن الهداية منحة إلهية تفيض على القلب الصادق المريد للحق، وأن المعاند لو رأى كل آية ووقف على جهنم ما آمن إلا أن يشاء الله.