الرجوع إلى المولى الحق وسرعة الحساب في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٤٤)جامع البيانالطبري١١/٤٤٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ}: «أي رُد العباد جميعاً بعد الموت وفناء الدنيا إلى الله تعالى مالكهم وسيدهم وخالقهم الحق، الذي لا جور في حكمه ولا باطل في ملكه، {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ} النافذ فيهم بالقسط والميزان، {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} يحاسب خلقه كلهم في أسرع من لمح البصر لا يشغله حساب واحد عن حساب آخر».
وروى الطبري عن الحسن البصري: «ردت الخلائق مؤمنها وكافرها إلى الله مولاهم الحق، فأما المؤمن فتولاه الله برحمته وفضله وأدخله جنته، وأما الكافر فرد إلى مولاه الحق بالقهر والذل ليفصل فيه بعدله فيورده جهنم».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٨٧)مصدر غير محدد٣/٢٨٧: «يخبر تعالى عن مصير العباد بعد توفي الرسل لهم، أنهم يُردون إلى الله يوم المعاد ليحكم بينهم بحكمه العدل، وهو أسرع الحاسبين لا تخفى عليه خافية ولا يحتاج إلى عد أو تفكر».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نهاية المطاف البشري وتتويج العدالة بالحساب المعجز:
بعد أن بين قبض الأرواح في الآية السابقة: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}، بين هنا محطة الوصول النهائية لتلك الأرواح والخلائق؛ وهو الرد التام إلى الله المولى الحق؛ حيث تنقطع كل دعاوى السيادة الباطلة، ويستقر الحكم المطلق لله وحده، وتُحاسب الخلائق بحساب معجز في غاية السرعة والعدالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق معنى "المولى الحق" ودفع إشكال نفي الولاية عن الكافرين:
كيف وصف الله تعالى بأنه {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} والضمير يشمل الكفار والمكذبين، مع قوله في سورة محمد: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ}؟!
والتحقيق العقلي التوفيقي الباهر لأهل السنة (ابن القيم في "مدارج السالكين" ج ٢، ص ٢٠٥):
أن "الولاية" في آية الأنعام هي "الولاية العامة" المشتركة؛ وهي ولاية الخلق، والملك، والربوبية، والقهر، وتدبير الأقدار، وإجراء الحساب؛ فبهذا المعنى الله مولى جميع الخلائق، مؤمنهم وكافرهم وسيدهم الحق.
وأما الولاية المنفية في سورة محمد فهي "الولاية الخاصة"؛ وهي ولاية النصرة، والمحبة، والتأييد، والرضوان، وإدخال الجنة؛ وهذه خاصة بأهل الإيمان؛ فلا تعارض بحمد الله.
الافتتاح التنبيهي بـ {أَلَا} وتقديم المعمول {لَهُ الْحُكْمُ}: أسلوب قصر وتشويق؛ يوقظ النفوس لحقيقة انقطاع كل حكم ومُلك سواه في ذلك اليوم العظيم.
التذييل بـ {أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}: كناية عن طلاقة القدرة الإلهية وسعة العلم؛ فهو يحاسب جميع الخلائق دفعة واحدة كما يرزقهم دفعة واحدة، لا يشغله شأن عن شأن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إعداد العدة للقاء المولى الحق والحساب بين يديه؛ فالحساب قادم وسريع لا تأخير فيه.
التعلق بولاية الله الخاصة بطاعته وتقواه؛ ليكون العبد في كنف رحمته وفضله حين يرد الخلائق إلى مولاهم الحق.