أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 68)جامع البيانالطبري١٢/٦٨ بسنده عن ابن عباس وعلي بن أبي طلحة في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ}: "يقول: استكثرتم من إضلال الإنس وإغوائهم وإخراجهم من الهدى إلى الضلال".
وعن ابن مسعود والحسن وقتادة ومجاهد في قوله: {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}: "أما استمتاع الإنس بالجن؛ فما كان يلقي الجن إليهم من الكهانة وتزيين الشهوات وتحقيق بعض الأغراض الفاسدة، وقول الإنسي إذا نزل وادياً: (أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه). وأما استمتاع الجن بالإنس؛ فطاعة الإنس لهم وتعظيمهم واستعاذتهم بهم وخضوعهم لوساوسهم، فيقول الجني: قد سدتُ الإنس والجن!".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 336)مصدر غير محدد٣/٣٣٦: "{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} أي: اذكر يا محمد يوم يحشر الله الخلائق جميعاً من شياطين الجن وأتباعهم من الإنس... فيوبخ الله مردة الجن: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ} أي: من إغوائهم، فيعترف أولياؤهم من الإنس بواقع العلاقة النفعية الباطلة: {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}... فيقضي الله بقضائه العدل: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مَعْشَرَ): المعشر كل جماعة يشملهم وصف واحد أو أمر مشترك؛ ومعشر الجن جماعاتهم، ومثله معشر الإنس.
(اسْتَكْثَرْتُم): السين والتاء للطلب أو للمبالغة؛ أي أكثرتم من إضلالهم واستتباعهم وغلبتم على كثير منهم.
(مَثْوَاكُمْ): مَفْعَل من الثَّوَاء، وهو الإقامة الطويلة والدوام والاستقرار في المكان.
{خَالِدِينَ}: حال منصوبة من الضمير في مثواكم وعلامة نصبه الياء.
{فِيهَا}: متعلق بـ (خالدين).
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{مَا شَاءَ اللَّهُ}: ما اسم موصول في محل نصب على الاستثناء، وشاء فعل ماض، والله فاعل.
{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}: إن واسمها وخبرها الأول وخبرها الثاني.
القراءات المتواترة: قرأ الجمهور وحفص: {يَحْشُرُهُمْ} بياء الغيبة (الفاعل هو الله)، وقرأ يعقوب الحضرمي وحفص في رواية شاذة {نَحْشُرُهُمْ} بنون العظمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها المشهدي الأخروي: بعد أن رسمت السورة مشهد النعيم لسالكي الصراط المستقيم في دار السلام (الآية 127)، نقلت السياق إلى المشهد الأخروي المقابل لأهل الضلال الذين اتبعوا شياطين الإنس والجن (المذكورين في الآية 112)؛ فجمعتهم في محكمة العدل الإلهية الكبرى ليواجهوا التوبيخ الإلهي ويعترفوا بخستهم وجرائمهم قبل صدور الحكم النهائي بالنار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحليل طبيعة التحالف الشيطاني واستغلال الشهوات:
تكشف الآية ماهية العلاقة القذرة بين شياطين الجن وشياطين الإنس: {اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}؛ فهو نفع متبادل مؤقت زائف قائم على الوهم والذنب؛ الإنسي ينال شهوة محرمة أو معلومة مغلوطة أو حماية مزعومة، والجني ينال العظمة الكاذبة وخضوع الإنسي له بالشرك. وهذا اعتراف صريح بأن العلاقة بينهما لم تكن محبة ولا رحمة بل استغلالاً متبادلاً انتهى بالهلاك المشترك.
توجيه الاستثناء في قوله {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}:
أجمع أهل السنة والجماعة على خلود الكفار والمشركين في النار أبد الآباد، وتأولوا الاستثناء في الآية على أوجه مستقيمة:
أن الاستثناء لبيان كمال قدرة الله ومشيئته المطلقة؛ فخلودهم ليس واجباً على الله عقلاً، بل هو بمشيئته وقضائه، فلو شاء إخراجهم لأخرجهم ولكنه شاء خلودهم وأخبر به.
أنه استثناء للأوقات التي يقضونها في غير النار؛ كمدة حشرهم وموقفهم أو وقت ورودهم الحساب.
أن المراد بالاستثناء عصاة الموحدين الذين دخلوا النار بذنوبهم ثم يخرجون منها بالشفاعة، وإن كان السياق في الكفار فإن اللفظ عام.