فضح جحود الإنسان ولؤم الشرك بعد توالي النجاة في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٤٩)جامع البيانالطبري١١/٤٤٩ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومجاهد في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ}: «يقول: قل يا محمد: الله وحده هو الذي يخلصكم وينجيكم من ظلمات البر والبحر ومن كل غم وهم وضيق يحل بكم في الدنيا؛ {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} أي ثم تعودون بعد النجاة إلى عبادتكم الأصنام وتجعلون له شركاء، وتنسون ما عاهدتموه عليه من الشكر والإخلاص!».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٨٩)مصدر غير محدد٣/٢٨٩: «هذا تقريع وتوبيخ عظيم للمشركين؛ فالله سبحانه هو المتفرد بكشف الكروب العامة والخاصة، ومع ذلك يقابلون هذه النعمة السابغة بأقبح كفران؛ وهو الشرك به وعبادة ما لا يملك نفعاً ولا ضراً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُنَجِّيكُم
التنجية التخليص من الهلكة وتوصيل العبد إلى بر الأمان.
كُلِّ كَرْبٍ
الكرب أشد الغم والحزن الذي يأخذ بالنفس ويضيق به الصدر؛ وإضافة "كل" تفيد استغراق جميع أنواع الكروب الدنيوية والأخروية.
ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ
ثم للتعجيب من تباين الحالين: حال التضرع والإخلاص في الشدة، وحال الشرك والجحود بعد النجاة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مواجهة الصدمة بالحقيقة وفضح السلوك المتناقض:
ذروة التقريع والتبكيت؛ لما سألهم في الآية السابقة: {مَن يُنَجِّيكُم}، بادر بالجواب القاطع الذي لا يستطيعون دفعه: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا}، ولم يقتصر على نجاتهم من تلك الحادثة، بل وسع النعمة: {وَمِن كُلِّ كَرْبٍ}؛ ثم رماهم بسهم التوبيخ الفاضح: {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}؛ فما أقبح هذا الطبع وما أشد لؤم هذا الكفران!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تهافت المنطق الشركي أمام كاشف الكروب الفرد الصمد:
تحاكم الآية العقل المشرك محاكمة حاسمة: إذا كان المشرك يقر بأن الله هو كاشف الكرب الأكبر في البر والبحر، وهو مفرج كل كرب وضيق، فبأي حجة عقلية يشرك معه أحجاراً وصوراً لم تنجده في كرب، ولم تدفع عنه ضراً؟! فالشرك بعد النجاة انحدار معرفي وأخلاقي يناقض بدائه العقل ومقتضيات الوفاء.
التعميم بعد التخصيص في {مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ}: إظهار لسعة الفضل الإلهي؛ فإحسانه لا يقتصر على شدائد الأسفار، بل يشمل كل هم وغم يطرق حياة الإنسان.
التعبير بالجملة الاسمية في {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} مع {ثُمَّ} التعجيبية: يفيد ثبوت الشرك ورسوخه في طباعهم وتجدده منهم، مع التعجيب الشديد من هذا السلوك الذي يأباه كل عقل سليم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام شكر نعم الله بعد تفريج الأزمات والكروب، وتجنب نسيان فضل الله ورجوع النفس إلى الغفلة والفتور.
إفراد الله وحده بالقصد والرجاء والتوكل؛ فما دمت توقن أنه كاشف كل كرب، فلا تلتفت بقلبك إلى سواه.