هذه الآية إخبار غيبي معجز عما سيتفوه به المشركون حين تنقطع حججهم العقلية والنقلية؛ فيلجؤون إلى الحيلة القديمة وهي الاحتجاج بمشيئة الله وقدره على شركهم وتحريمهم للبحائر والسوائب!
أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 157)جامع البيانالطبري١٢/١٥٧ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ}: "قالوا: إنما نشرك ونحرم ما نحرم بمشيئة الله ورضاه؛ فلو كره الله ذلك منا لغيّره ولما تركنا نفعله؛ فاحتجوا بالقدر على تكذيب الرسل وإسقاط الشريعة، فرد الله عليهم وأبطل شبهتهم".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 355)مصدر غير محدد٣/٣٥٥: "هذه مناظرة ذكرها الله تعالى وأخبر بها قبل وقوعها وتوعدهم عليها، فإنهم قالوا معاندين: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} أي: هو قادر على منعنا فلو كره ما نحن عليه لمنعنا منه، وهذا جهل منهم؛ فإن مشيئة الله الكونية لا تقتضي رضاه ومحبته الشرعية، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} أي: بمثل هذه الشبهة ضل من ضل من الأمم السابقة فكذبوا الرسل حتى حل بهم عذاب الله وبأسه... {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} أي: هل عندكم حجة من كتاب أو وحي بأن الله يحب منكم ذلك ويرضاه؟! لا علم عندكم {إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(يَخْرُصُونَ): الخَرْص هو الحَزْر والتخمين والكذب من غير دليل ولا أصل.
الإعراب والتركيب:
{سَيَقُولُ}: السين للاستقبال تدل على الإعجاز الغيبي، يقول فعل مضارع مرفوع بالضمة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل لـ (يقول).
{أَشْرَكُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{لَوْ}: حرف امتناع لامتناع (أداة شرط غير جازمة).
{شَاءَ اللَّهُ}: فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره (عدم إشراكنا).
{مَا أَشْرَكْنَا}: ما نافية، أشركنا فعل وفاعل، والجملة جواب لو لا محل لها.
{وَلَا آبَاؤُنَا}: الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد النفي، آباؤنا معطوف على (نا) الفاعل مرفوع بالضمة، و(نا) مضاف إليه.
{وَلَا حَرَّمْنَا}: معطوف ماض وفاعله.
{مِن شَيْءٍ}: (من) حرف جر زائد لاستغراق النفي، (شيء) مفعول به منصوب محلاً مجرور لفظاً بالكسرة. والجملة كلها مقول القول في محل نصب.
{كَذَلِكَ}: جار ومجرور في محل نصب نعت لمصدر محذوف (كذّبوا تكذيباً كذلك).
{كَذَّبَ الَّذِينَ}: فعل ماض وفاعل.
{مِن قَبْلِهِم}: متعلق بمحذوف صلة الموصول.
{حَتَّى}: حرف غاية وجر.
{ذَاقُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل والمصدر المؤول في محل جر بـ (حتى).
{بَأْسَنَا}: مفعول به منصوب، و(نا) مضاف إليه.
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون.
{هَلْ}: حرف استفهام إنكاري بمعنى النفي.
{عِندَكُم}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف مضاف إليه.
{فَتُخْرِجُوهُ}: الفاء سببية، تخرجوه مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية في جواب الاستفهام بحذف النون، والواو فاعل والهاء مفعول به.
{لَنَا}: متعلق بـ (تخرجوه).
{إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}: إن نافية، تتبعون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، إلا أداة حصر، الظن مفعول به منصوب.
{وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}: عاطفة، إن نافية، أنتم مبتدأ، إلا حصر، يخرصون خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتفكيك الملاذ الأخير للمبطلين: بعد أن أسقط القرآن كل شبهات المشركين في التحريم والشرك بالعقل والنقل، كشف في هذه الآية عن المهرب الأخير الذي يلجأ إليه كل عاجز ومبطل؛ وهو "إلقاء اللوم على المشيئة الإلهية والقدر"؛ محاولين التملص من المسؤولية الأخلاقية والجنائية بزعم أن الله لو كره كفرهم لما شاءه؛ فجاء الرد النبوي كالصاعقة ينسف مغالطتهم نسفاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة الاحتجاج بالقدر على الذنوب (تأصيل أهل السنة):
هذه الآية أعظم أصل في إبطال احتجاج المشركين والعصاة بالقدر؛ وقد فند القرآن شبهتهم بثلاثة براهين قاطعة:
البرهان التاريخي وسنة النكال: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا}؛ فلو كان احتجاجهم بالقدر صحيحاً ومقبولاً عند الله، لما أنزل الله بأسه وعذابه المستأصل على الأمم السابقة التي احتجت بمثل قولهم؛ فنزول العذاب دليل قاطع على أنهم مأخوذون بجرائمهم وباختيارهم الفاسد.
البرهان العلمي والمنطقي: {هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا}؛ مطالبتهم بالسند العلمي؛ فهل اطلعت على الغيب وعلمت أن الله راضٍ عن شركك؟! الاحتجاج بالقدر ادعاء لعلم الغيب ورجم بالظن الكاذب.
التفرقة بين المشيئة والمحبة والرضا: أهل السنة يفرقون بين "المشيئة الكونية" التي لا يخرج عنها شيء في الوجود لحكمة بالغة، و"المحبة والرضا الشرعي"؛ فالله قد يشاء كوناً وقوع الكفر ابتلاءً ولكنه يكرهه ويأمر بضده ويعاقب عليه {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}.
تناقض الخصم في واقع حياته: لو جاء رجل وصفع المشرك على وجهه أو سلبه ماله، ثم قال له: (لو شاء الله ما صفعتك ولا أخذت مالك!)، لما قبل منه المشرك هذا العذر قط ولبادر إلى معاقبته؛ فكيف يقبل لنفسه أن يحتج بالقدر في حق ربه ولا يقبل أن يُحتج به في حقه الدنيوي الخسيس؟!
الاحتجاج بالقدر مسلك العاجزين والمهزومين؛ فالمؤمن الصادق يستغفر من ذنبه ويعترف بخطئه، والمنافق أو المشرك يبرر جرائمه بالقدر ويلقي باللوم على ربه ليتنصل من التوبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحمل المسؤولية الشخصية:
تربية المسلم على استشعار مسؤوليته الكاملة عن أقواله وأفعاله؛ فالإنسان مخيّر في طاعته ومعصيته، ومحاسب على كسبه وإرادته.
الصلابة الفكرية في الرد على الفلسفات الجبرية:
كشف زيف الفلسفات المادية أو الجبرية المعاصرة التي تلغي الإرادة الحرة للإنسان وتبرر الجرائم والانحرافات بالجينات أو الظروف الاجتماعية القسرية؛ فالإنسان مكلف مسؤول.