سنة الابتلاء الطبقي بين الأغنياء والفقراء في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٠٧)جامع البيانالطبري١١/٤٠٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والحسن البصري في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ}: «أي ابتلينا الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، والمطاع بالمستضعف؛ ليمتحن الله قلوبهم؛ فلما رأى صناديد قريش وكبراؤهم عماراً وبلالاً وابن مسعود وصهيباً قد أسلموا وسبقوهم إلى الخير، قالوا مستكبرين ومتهكمين: {أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا}؟! لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء الأراذل إليه! فأجابهم الله مقرراً لحكمته: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} الذين يعرفون قدر نعمته فيشكرونها ويوحدونه مخلصين؟!».
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: «ابتلى الله أشراف قريش بضعفاء المؤمنين، فكان الشريف يريد أن يسلم فيرى الفقير قد سبقه، فيأنف ويقول: أأسلم فأكون أنا وهذا العبد سواء؟! فمنعه الكبر من الإيمان؛ فذلك فتنة بعضهم ببعض».
وذكر ابن كثير (ج ٣، ص ٢٧٧)مصدر غير محدد٣/٢٧٧: «يخبر تعالى عن سنته في ابتلاء خلقه وتفاضلهم في الصور والمراتب والأرزاق؛ ليميز من يشكر ممن يكفر؛ فصناديد الشرك عميت بصائرهم عن معرفة الفضل الروحي، وقاسوا الأمور بمقاييس الجاهلية المادية الزائفة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَتَنَّا
الفتنة الابتلاء والاختبار والتمحيص؛ وأصلها وضع الذهب في النار لتظهر جودته من خبثه.
بعد أن نهاه عن طرد الفقراء الصادقين، كشف هنا عن الحكمة السننية من هذا التفاوت؛ فالله جعل هذا التباين امتحاناً للقلوب ومختبراً للأخلاق؛ لكي يتميز المتواضع للحق من المستكبر؛ فصناديد مكة حجبهم كبرهم عن إدراك فضل الله، فتهكموا بالفقراء مستبعدين أن يخصهم الله بالهداية دونهم؛ فرد الله عليهم بسؤال تقريري مفحم: أليس الله هو العليم بمن يستحق فضله من الشاكرين الخاشعين؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حكمة التفاوت الطبقي وسنة الابتلاء المتبادل:
تكشف الآية عن قانون قرآني عميق: التفاوت في الرزق والجاه ليس علامة على الفضل الأخروي، بل هو ميدان اختبار؛ فالغني ممتحن بالفقير: هل يتواضع للحق ويفيض من ماله أم يتكبر ويزدري المستضعف؟! والفقير ممتحن بالغني: هل يصبر ويقنع برزق الله أم يحسد ويضجر؟! فإذا استكبر الغني عن الجلوس مع الفقير الصالح سقط في الفتنة وخسر دنياه وآخرته.