أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 83)جامع البيانالطبري١٢/٨٣ بسنده عن قتادة في قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ}: "هو الغني عن خلقه وعن عباداتهم، فلا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه، ذو الرحمة الواسعة بعباده حيث أمهلهم ورزقهم وشرع لهم سبل النجاة ولم يعاجلهم بالعقوبة".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 340)مصدر غير محدد٣/٣٤٠: "{وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} أي: عن سائر خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، {ذُو الرَّحْمَةِ} أي: وهو مع غناه عنهم رحيم بهم رءوف عطوف، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}... {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي: يهلككم ويفنكم إذا خالفتم أمره، {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ} أي: قوماً آخرين يعملون بطاعته، {كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} أي: كما أذهب القرون الماضية وأنشأكم من نسلهم وقوم آخرين كقوم نوح وعاد وثمود، فهو قادر على إذهابكم والإتيان بغيركم".
قال السعدي (ص 271)مصدر غير محدد٢٧١: "الجمع بين الغنى الذاتي المطلق والرحمة العظيمة من أجمع صفات الكمال؛ فغناه يمنع من حاجته إلى طاعتهم، ورحمته تمنع من ظلمه لهم أو مؤاخذتهم بغير ذنب، وقدرته تنفذ فيهم إن شاء أذهبهم واستخلف غيرهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(الْغَنِيُّ): من لا يفتقر إلى شيء، المستغني بذاته وصفاته عن كل ما سواه، وكل ما عداه مفتقر إليه.
(ذُو الرَّحْمَةِ): صاحب الرحمة البالغة السابغة المتصف بها أزلاً وأبداً.
(يَسْتَخْلِفْ): يجعل خليفة يخلف من قبله ويعمر الأرض بعده.
(ذُرِّيَّةِ): النسل والأعقاب؛ وأصلها إما من الذَّرء وهو الخلق، وإما من الذَّرّ وهو النثر والتفريق.
{مَّا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (يستخلف)، وعُبر بـ (ما) للدلالة على شمول الوصف والخلق الصالح.
{يَشَاءُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{كَمَا}: الكاف حرف تشبيه وجر، (ما) مصدرية، والمصدر المؤول في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق (أي: استخلافاً كائناً كإنشائكم).
{أَنشَأَكُم}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به.
{مِّن ذُرِّيَّةِ}: متعلق بـ (أنشأكم).
{قَوْمٍ}: مضاف إليه مجرور.
{آخَرِينَ}: نعت مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التنزيهي الجليل: بعد أن ذكر الله التكليف والأمر والنهي والجزاء ومحاسبة الإنس والجن، دفع في هذه الآية وهماً قد يطرأ على عقول الجهلة؛ وهو ظن أن الله يأمرهم بالعبادة لحاجة منه إليها، أو أنه يعاقبهم لتشفي ونفع يعود إليه؛ فأعلن القرآن غنى الرب المطلق عن جميع العالمين، مقروناً برحمته التامة، ومحذراً إياهم من الاغترار بوجودهم؛ فإن بقاءهم واستخلافهم ليس لعجز في القدرة، بل هو خاضع لمشيئته التي أوجدتهم من أصلاب أمم سابقة قادرة على إفنائهم واستبدالهم بقوم آخرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كمال الجمع بين صفتي (الغنى) و(الرحمة):
الغني من البشر إذا استغنى قد يبطر ويقسو ويظلم، والرحيم من البشر إذا رقّ قد يضعف ويعجز عن العقوبة. أما الله تبارك وتعالى فله الكمال المطلق؛ فهو الغني الذي لا تنفعه طاعة الطائعين، الرحيم الذي يتفضل عليهم بالنعم ويدعوهم إلى دار السلام رحمة بهم، القادر على إبادتهم دون أدنى مشقة؛ فلا يستوحش مؤمن من فنائهم ولا يغتر كافر بإمهاله.
التذكير بالتاريخ الإنساني وسنن الاستبدال:
قوله {كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}: حجة تاريخية وواقعية مشاهدة تلزمهم بالاعتراف بقدرة الله؛ فأنتم يا أهل مكة ويا معشر الحاضرين لم تكونوا أول الخلق في هذه الأرض، بل أهلك الله عاداً وثمود وقوم نوح واستخلفكم بعدهم، فما الذي يمنعه أن يذهب بكم ويأتي بغيركم إن أصررتم على الشرك؟!
تعريف الخبرين {الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ}: لإفادة قصر الكمال والكمال المطلق في الصفتين لله وحده.
التعبير بـ (ذُو الرَّحْمَةِ) دون (الرَّحِيم): لإثبات أن الرحمة صفة ذاتية ملازمة لذاته العلية، وأن رحمته واسعة سابغة تشمل كل المخلوقات.
التشبيه التمثيلي التاريخي: {كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}؛ للربط بين الماضي المشاهد والحاضر الواقع والمستقبل المحذور.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
العبادة منفعة خالصة للعبد، والتقوى زاد لنجاة الإنسان نفسه؛ فالله لا تزيد في ملكه طاعة المتقين، ولا تنقص من سلطانه معصية المذنبين؛ كما في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها» (رواه مسلم).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار الافتقار التام إلى الله:
ترسيخ حقيقة العبودية والافتقار الذاتي في قلب المسلم؛ فالعبد فقير إلى ربه في كل طرفة عين، والله هو الغني الحميد.
الحذر من سنة الاستبدال:
الخوف الدائم من أن يحل بالمسلم أو بالأمة الاستبدال الإلهي إذا تولت عن نصرة الدين؛ فالإسلام منصور بأهله أو بغيرهم، والخاسر الوحيد عند التراجع هو العبد المقصر {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}.