مجادلة قوم إبراهيم له وتخويفه بالأصنام وثبات التوحيد في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٠٨)جامع البيانالطبري١١/٥٠٨ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي في قوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ}: «أي جادله قومه وخاصموه في توحيد الله وترك آلهتهم، وخوفوه من أصنامهم وقالوا له: احذر أن تصيبك آلهتنا بجنون أو خبل أو تسلبك نعمتك لشتمك إياها وعيبك لها! فقال لهم إبراهيم بقوة اليقين: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} أي أتجادلونني في توحيد الله وقد أقام عليّ براهين الهدى وأنار بصيرتي باليقين؟! {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} من أوثانكم وآلهتكم، فإنها حجارة جمادات لا تضر ولا تنفع ولا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً؛ {إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} أي لا يصيبني مكروه من جهتها قط إلا أن يشاء ربي ذلك ابتلاءً وقضاءً؛ {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} فتعلموا أنه لا معبود بحق سواه».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٦)مصدر غير محدد٣/٣٠٦: «يبين تعالى أن قوم إبراهيم جادلوه في أمر التوحيد وخوفوه من معبوداتهم الباطلة، كما قال قوم هود لهود: {إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}؛ فرد عليهم إبراهيم رداً شجاعاً مبيناً أنه لا يرهب أصنامهم، وأن النفع والضر بيد الله وحده».
بعد أن أعلن إبراهيم الحنيفية التامة، رد قومه بالتهديد والتخويف من نقمة الآلهة وغضبها؛ فواجههم الخليل بصلابة الموحد المستعلي بإيمانه: كيف تجادلونني في إله دلت عليه كل ذرات الكون وهداني بنوره؟! وكيف أرهب حجارة صماء لا تملك نفعاً ولا ضراً؟! إن خوفي ورجائي معلق بربي وحده الحاكم بمشيئته المحيط بكل شيء علماً؛ فقلب مخاوفهم إلى حجة عليهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق الاستثناء في {إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} وبطلان الخوف من الأنداد:
قد يظن جاهل أن الاستثناء يثبت للأصنام قدرة على إلحاق الأذى إذا شاء الله!
والتحقيق العقلي الأصولي لأهل السنة (ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج ٨، ص ٤٥٥، والقرطبي):
أن الاستثناء استثناء منقطع؛ والمعنى: لا أخاف آلهتكم أبداً لأنها عاجزة في ذاتها، لكن أخاف ربي وحده إذا شاء أن ينزل بي مكروهاً بذنبي أو ابتلاءً لي؛ فالخوف من مشيئة الله لا من الأصنام.
أو هو استثناء متصل من أعم الأحوال والعلل؛ أي لا أخافها في أي حال إلا في حال مشيئة ربي أن يسلطها أو يقدر وقوع مكروه بقضائه وقدره، والأمر كله راجع لمشيئة الله وحده لا لقوة الأوثان؛ فبطلت كل خرافات السدنة والكهان الذين يخوفون الناس ببطش الأنداد.
الجملة الحالية {وَقَدْ هَدَانِ}: حجة نفسية دامغة؛ فالذي ذاق حلاوة الهدى ورأى نور اليقين لا يمكن أن يتراجع إلى ظلمات الشك والشبهات.
التذييل بـ {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}: تمييز محول عن الفاعل (وسع علم ربي كل شيء)؛ لإفادة الشمول التام؛ فالله يعلم ما يحيكه الأعداء وما تكنه الصدور فلا يعجزه حفظ أوليائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الخوف من القلوب؛ فلا يخاف المؤمن من قوى الباطل ولا من طواغيت الأرض وأصنامها، بل يفرد الله وحده بالخوف والرجاء.
الثقة بنعمة الهداية والاعتزاز بها عند محاجة المبطلين وتثبيت القلوب على الحق.