مرويات الباب وحصر المحرمات الأربعة في المرحلة المكية:
أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 134)جامع البيانالطبري١٢/١٣٤ والحاكم وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء قَذَراً؛ فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه، وأحل حلاله وحرم حرامه؛ فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً...}".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 350)مصدر غير محدد٣/٣٥٠: "يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم لما كشف عن ضلال المشركين فيما حرموه من الأنعام والبحائر: قل يا محمد لهؤلاء: إنني لا أجد فيما أوحى الله إليّ في هذا القرآن شيئاً محرماً من المطعومات إلا هذه الأصناف الأربعة:
{مَيْتَةً}: وهي التي ماتت حتف أنفها من غير ذكاة شرعية.
{دَمًا مَّسْفُوحًا}: وهو السائل المهراق عند الذبح، بخلاف الدم الذي يبقى في العروق واللحم والطحال والكبد فإنه طاهر حلال بالإجماع.
{أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}: وهو ما ذُبح على النصب والأصنام وذكر عليه اسم غير الله تعالى... ثم رخص للمضطر فقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}".
قال الإمام الشافعي في "الرسالة" (ص 205)مصدر غير محدد٢٠٥: "نزلت هذه الآية رداً على الكفار حين كانوا يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله؛ فكأن المعنى: لا محرم مما تستحلونه إلا هذا، ولا حلال مما تحرمونه بل هو مباح؛ وجاءت السنة بعد ذلك بتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير والحمر الأهلية بياناً وزيادةً لا معارضة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مَّسْفُوحًا): المسفوح هو المصبوب الجاري السائل؛ يقال سفحت الدم والدمع إذا صببته وأسلته.
(رِجْسٌ): القذر النجس الخبيث شرعاً وطبعاً وعقلاً.
(بَاغٍ): الباغي هو الطالب للشيء فوق حاجته أو المتلذذ بالحرام بغير ضرورة.
(عَادٍ): العادي هو المتجاوز لقدر سد الرمق وحفظ الحياة.
الإعراب والتركيب:
{قُل}: فعل أمر مبني على السكون.
{لَّا}: حرف نفي.
{أَجِدُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنا.
{مُحَرَّمًا}: مفعول به لـ (أجد) منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{عَلَى طَاعِمٍ}: متعلق بـ (محرماً).
{يَطْعَمُهُ}: مضارع مرفوع والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة في محل جر نعت لـ (طاعم).
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{أَن يَكُونَ}: المصدر المؤول في محل نصب على الاستثناء المتصل من (محرماً)؛ و(يكون) مضارع ناقص واسمه مستتر تقديره هو يعود على المطعوم.
{مَيْتَةً}: خبر (يكون) منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{أَوْ دَمًا}: معطوف منصوب.
{مَّسْفُوحًا}: نعت لـ (دماً) منصوب.
{أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ}: معطوف منصوب، وخنزير مضاف إليه مجرور.
{فَإِنَّهُ رِجْسٌ}: الفاء تعليلية، إن واسمها وخبرها، والجملة اعتراضية تعليلية لا محل لها.
{أَوْ فِسْقًا}: معطوف على (لحم خنزير) أو على (رجس) منصوب.
{أُهِلَّ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
{لِغَيْرِ اللَّهِ}: متعلق بـ (أهل).
{بِهِ}: نائب فاعل لـ (أهل)، والجملة في محل نصب نعت لـ (فسقاً).
{فَمَنِ اضْطُرَّ}: الفاء استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ، اضطر ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل مستتر.
{غَيْرَ بَاغٍ}: حال منصوبة، وباغ مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة.
{وَلَا عَادٍ}: معطوف على باغ مجرور بكسرة مقدرة.
{فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: الفاء رابطة، إن واسمها وخبراها، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم: {أَن يَكُونَ مَيْتَةً} بياء التذكير ونصب ميتة.
وقرأ ابن عامر وأبو جعفر: {أَن تَكُونَ مَيْتَةً} بتاء التأنيث ونصب ميتة.
وقرأ نافع وأبو عمرو: {أَن تَكُونَ مَيْتَةٌ} بتاء التأنيث ورفع ميتة على أن كان تامة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتحديد قائمة المحرمات الإلهية في مقابل فوضى الجاهلية: بعد أن فضح القرآن تحريمات المشركين العشوائية المستندة إلى الأوهام (البحيرة والسائبة وما في بطون الأنعام)، أمر الله نبيه أن يقف في وجوههم ويعلن الشريعة الربانية الصافية: إن المحرمات من الأطعمة محصورة ومحدودة ومعللة بعلل واضحة؛ وهي النجاسة والخبث والضرر المادي (الميتة، الدم المسفوح، لحم الخنزير) أو الضرر العقائدي والشرك (ما أُهل لغير الله به)؛ وما عدا ذلك فمباح طيب رزقه الله لعباده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الحصر في الآية وعلاقته بمحرمات السنة النبوية:
استشكل بعض الناس صيغة القصر والحصر {لَّا أَجِدُ... إِلَّا} مع ورود تحريم أشياء أخرى في السنة كـ (كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، والحمر الأهلية).
الرد العلمي الأصولي الحاسم:
الحصر الإضافي النسبي: القصر في الآية قصر إضافي رداً على ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام؛ أي: لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً مما تزعمون تحريمه من البحائر والسوائب إلا هذه الأصناف الخبيثة؛ فهو نفي لتحريماتهم المبتدعة لا نفي لما سيحرمه الله لاحقاً.
التشريع التدريجي في مكة: سورة الأنعام مكية، وكان هذا هو المحرم وقت نزولها، ثم زاد الله في المدينة تحريمات أخرى بحكمته كالخمر ولحوم الحمر الأهلية والسباع؛ والسنة النبوية الصحيحة وحي يبيّن القرآن ويزيد عليه أحكاماً ملزمة بإذن الله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}.
تقييد الدم بالمسفوح:
قوله {دَمًا مَّسْفُوحًا}: حجة إجماعية على أن الدم المحرم النجس هو الدم الجاري المراق عند الذبح؛ أما الدم اليسير الباقي في العروق واللحم والكبد والطحال فهو حلال طاهر؛ مما يدل على يسر الشريعة ورفع الحرج.
التعليل البياني الحاسم في قوله {فَإِنَّهُ رِجْسٌ}: بيان أن التحريم في الإسلام ليس تحكماً عبثياً، بل يدور مع الخبث والضرر علةً ووجوداً.
تسمية المذبوح للأصنام بـ (فِسْقًا): في قوله {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}؛ للدلالة على أن خبثه ليس في ذات اللحم بل في الخروج والتمرد العقائدي بالذبح لغير الخالق.
الاحتراس والتقييد في رخصة الاضطرار {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}: لمنع استغلال الرخصة في التلذذ أو مجاوزة مقدار حفظ الحياة.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
كل ما حرمه الله على عباده فهو رجس وخبيث يضر بأبدانهم أو أرواحهم، وكل ما أحله فهو طيب نافع؛ فالشريعة طهارة وعافية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قواعد الفقه في الأطعمة:
التمسك بأصل الحل والإباحة في المطعومات حتى يثبت دليل التحريم الصريح.
فقه الضرورة والرحمة:
إدراك رحمة الله بالعباد في حال الاضطرار والجوع الشديد حيث تسقط المحظورات حفظاً للنفس البشرية المعظمة في الشريعة.