أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" (كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، رقم 2236)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٣٦ ومسلم (رقم 1581)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٨١ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح يقول: «إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يُطلى بها السفن وتُدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود! إن الله لما حرّم شحومها جملوه (أي أذابوه) ثم باعوه فأكلوا ثمنه».
أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 148)جامع البيانالطبري١٢/١٤٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}: "هو ما لا ينفرج من أصابع الدواب والطيور كالإبل والنعام والبط والإوز وما ليس له أصابع منفرجة كالحافر، وحرّم عليهم شحوم البقر والغنم كشحم الثرب والكليتين، واستثنى: ما حملت ظهورهما (شحم الظهر) والحوايا (المباعر والأمعاء) وما اختلط بعظم (شحم الجنب والإلية المختلطة بالعظم)".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 353)مصدر غير محدد٣/٣٥٣: "{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ} أي: إنما ضيقنا عليهم في التحريم عقوبة لهم على بغيهم وظلمهم وعدوانهم واختلافهم على أنبيائهم وقتلهم لهم وأكلهم الربا والصد عن سبيل الله، كما قال تعالى في سورة النساء: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا}، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما أخبرنا به عنهم وعن شرعنا".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(هَادُوا): اليهود؛ من هاد إذا تاب ورجع، أو نسبة ليهوذا بن يعقوب عليه السلام.
(ظُفُرٍ): الظُّفُر والظِّفْر ما يقابل الحافر والخف؛ وذو الظفر كل ما لم تكن أصابعه مفروجة من الحيوان والطير.
(الْحَوَايَا): جمع حَوِيَّة أو حَوِيّة، وهي الأمعاء والمباعر والمصارين التي تدور في البطن وتلتوي؛ مأخوذة من الحَوَاية وهو التجمع والالتواء.
الإعراب والتركيب:
{وَعَلَى الَّذِينَ}: الواو عاطفة، على حرف جر، الذين اسم موصول مجرور متعلق بـ (حرّمنا).
{هَادُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
{حَرَّمْنَا}: فعل وفاعل مبني على السكون.
{كُلَّ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{ذِي}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة.
{ظُفُرٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ}: متعلقان بـ (حرّمنا) الثاني.
{حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا}: فعل وفاعل ومتعلق به ومفعول به ومضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء المتصل من (شحومهما).
{حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا}: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول.
{أَوِ الْحَوَايَا}: معطوف على (ما حملت) في محل نصب.
{وَإِنَّا}: الواو استئنافية، إن واسمها (نا المدغمة).
{لَصَادِقُونَ}: اللام المزحلقة، صادقون خبر (إنّ) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتأصيل الفرق بين التحريم التشريعي العام والتحريم العقابي الخاص: لما قرر الله في الآية السابقة (145) أن المحرمات في شريعة الإسلام العامة هي الخبائث الأربعة فقط، ذكر هنا شريعة بني إسرائيل لرد شبهة مشركي مكة واليهود؛ فالمشركون كانوا يزعمون أن تحريمهم للبحائر والسوائب مأخوذ من شريعة التوراة القديمة؛ فبيّن الله أن ما حُرم على بني إسرائيل من الطيبات وشحوم البقر والغنم وذوات الظفر لم يكن لخبث في ذاتها، بل كان "عقوبة تأديبية خاصة باليهود لعتوهم وبغيهم"؛ بخلاف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي جاءت رحمة عامة ترفع الإصر والأغلال وتبيح الطيبات وتحرم الخبائث فقط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التحريم العقابي وسقوطه في شريعة الإسلام:
تكشف الآية عن نوعين من التحريم في الشرائع الإلهية:
تحريم للأعيان الخبيثة القذرة: كالميتة والدم ولحم الخنزير؛ وهذا تحريم عام دائم في كل الشرائع لحماية الإنسان من الضرر والرجس.
تحريم لبعض الطيبات عقوبة وتأديباً: كما وقع لليهود بتحريم الشحوم وذوات الظفر جزاء ظلمهم وقتلهم الأنبياء وبغيهم؛ وهذا التحريم العقابي رُفع عن أمة الإسلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}.
دحض الحيل الشيطانية على محارم الله:
عاقب الله اليهود فلجؤوا إلى الحيلة بإذابة الشحوم المحرمة وبيعها وأكل ثمنها متوهمين أنهم تخلصوا من التحريم؛ فلعنهم النبي صلى الله عليه وسلم وحذر أمته من سلوك الحيل والالتفاف على أحكام الشرع الشريف.
التعليل الصارم في {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ}: لتقرير عدالة الله وتنزيهه عن العبث؛ فالتحريم كان جزاء وفاقاً على جناياتهم التاريخية.
التوكيد التذييلي بـ {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}: لدحض تكذيب اليهود وافترائهم؛ حيث كانوا ينكرون أن هذا التحريم كان عقوبة ويزعمون أنه كان محرماً على إبراهيم ويعقوب من قبل، فكذبهم الله وأكد صدقه.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
البغي والظلم سبب لمحق البركات وحرمان العبد من النعم الدنيوية والدينية؛ فرب ذنب حرم صاحبه رزقاً حلالاً طيباً ميسوراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة رفع الآصار في الإسلام:
استشعار المسلم عظمة التيسير في الشريعة الإسلامية وحمد الله على ما أباحه من شحوم وطيبات كانت محرمة على أمم سابقة.
الحذر الشديد من مسالك التحايل على الحرام:
تجنب الحيل الفقهية المبتدعة التي تستبيح المحرمات بتغيير الأسماء والأشكال كتحليل الربا باسم الفائدة أو القروض الاستثمارية التمويهية؛ فإن العبرة في الشريعة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني.