بلوغ ذروة البرهان وإعلان البراءة الفاصلة من الشرك في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٠٤)جامع البيانالطبري١١/٥٠٤ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «لما أفل القمر وبطلت ألوهيته، انبلج الصباح وطلعت الشمس بازغة تملأ الآفاق نوراً وحرارة ودعوة إلى الدهشة، فقال إبراهيم مناظراً قومه في أعلى مدارج التحدي: {هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ} جرماً وأعظم نوراً وأعم نفعاً من الكوكب والقمر؛ فلما دار الفلك وغابت الشمس في الأفق وسقط ضياؤها وأفلت، انتهت المناظرة إلى غايتها البرهانية الساحقة؛ فصرخ إبراهيم في وجه قومه صرخة التوحيد الكبرى: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} من عبادة هذه الأجرام المخلوقة المربوبة الآفلة».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٥)مصدر غير محدد٣/٣٠٥: «هذا تمام المناظرة؛ تدرج معهم من الكوكب، ثم إلى القمر، ثم إلى الشمس التي هي أعظم الأجرام المشاهدة؛ فلما تبين أنها مسخرة مدبرة تأفل وتغيب كأخواتها، بطلت ألوهية الفلك كله؛ وحينئذ أعلن البراءة التامة من الشرك وعبادة ما سوى الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَازِغَةً
مشرقة طالعة ناشرة ضياءها في الكون.
هَٰذَا أَكْبَرُ
أكبر حجماً وأشد ضياءً وسطوعاً ونفعاً.
أَفَلَتْ
غابت وتوارت في مغربها وتلاشى سلطانها في ظلمة الليل.
إِنِّي بَرِيءٌ
مفاصل ومفارق ومعادٍ لكل ما تعبدونه وتشركونه مع الله.
فَلَمَّا
الفاء عاطفة، لما شرطية.
رَأَى
ماضٍ والفاعل مستتر والجملة فعل الشرط.
الشَّمْسَ
مفعول به منصوب بالفتحة.
بَازِغَةً
حال منصوبة بالفتحة من الشمس.
قَالَ
جواب الشرط.
هَٰذَا
ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبتدأ مذكر؛ وذكر الإشارة مع أن الشمس مؤنثة إما لمعنى "هذا الطالع" أو "هذا الجرم" أو "هذا الضوء"، أو لعدم وجود علامة تأنيث لفظية في الشمس.
رَبِّي
خبر المبتدأ والياء مضاف إليه.
هَٰذَا
مبتدأ ثانٍ.
أَكْبَرُ
خبر المبتدأ الثاني مرفوع بالضمة، والجملتان مقول القول.
فَلَمَّا
عاطفة شرطية.
أَفَلَتْ
ماضٍ والتاء للتأنيث والفاعل مستتر والجملة فعل الشرط.
قَالَ
جواب الشرط.
يَا
حرف نداء.
قَوْمِ
منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف.
إِنِّي
إن واسمها.
بَرِيءٌ
خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِّمَّا
من حرف جر، ما موصولة أو مصدرية في محل جر متعلق ببريء.
تُشْرِكُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة صلة ما، وجملة النداء وما بعدها مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة الملحمة البرهانية وتتويج الاستدلال بإعلان المفاصلة:
المشهد الأخير في المناظرة الفلكية؛ فلما وصل إلى أكبر جرم سماوي تعبده الصابئة والمشركون (الشمس)، وجارهم بقوله: {هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ}، انتظر حتى سقطت وغابت وابتلعتها حلكة الليل؛ لتنتهي كل دعوى ألوهية للأفلاك؛ وحينئذ تحول من مقام التنزل الجدلي إلى مقام الصدع بالحقيقة وإعلان البراءة المطلقة من وثنيتهم وشركهم في خطابه المباشر: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تذكير اسم الإشارة في {هَٰذَا رَبِّي} مع كون الشمس مؤنثة مجازياً:
إضافة التعليل بـ {هَٰذَا أَكْبَرُ}: إبراز لمنطق المشركين الحسي؛ فهم يقيسون العظمة بكبر الحجم وقوة السطوع، فألزمهم بأن كبر الحجم لا ينفع مع طروء النقص والأفول.
نداء القوم بـ {يَا قَوْمِ} وافتتاح البراءة بـ {إِنِّي بَرِيءٌ}: استعطاف ونصح يجمع بين الشفقة عليهم بصفتهم قومه، وبين الصرامة العقدية بإعلان البراءة من باطلهم دون مداهنة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصدع بالتوحيد والبراءة من الشرك وأهله بعد استيفاء إقامة الحجة وتوضيح البراهين.
إدراك أن كل مخلوق مهما كبر شأنه أو عظم ضياؤه وتأثيره (كالشمس والملوك والأباطرة) فهو عبد مسخر قاصر يزول ويأفل، ولا يستحق الألوهية إلا فاطر الكون الحي القيوم.