أصناف العذاب الأربعة واستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الصحيحة:
أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير، رقم ٤٦٢٨)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٢٨ والترمذي والنسائي وأحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «لما نزلت هذه الآية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بوجهك"، قال: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: "أعوذ بوجهك"، فلما نزلت: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هاتان أهون" (أو: هما أيسر)».
وأخرج مسلم في "صحيحه" (رقم ٢٨٩٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٩٠ عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربي زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها... وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم... وإني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبى بعضهم بعضاً».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٥١)جامع البيانالطبري١١/٤٥١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في تفسير أنواع العذاب:
{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا}: يخلطكم ويفرقكم فرقاً وأحزاباً مختلفة الأهواء متناحرة.
{وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ}: القتل والقتال والحروب والفتن بين أبناء الأمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْقَادِرُ
ذو القدرة التامة التي لا يعجزها شيء؛ واسم الفاعل يفيد الثبوت والتمكن.
مِّن فَوْقِكُمْ
من جهة العلو؛ كالسحاب الماطر حجارة والصواعق.
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
من جهة السفل؛ كالخسف والبراكين والزلازل وانفجار الأرض.
يَلْبِسَكُمْ
يخلط أمركم ويشبهه ويلبسه؛ من اللبس وهو الخلط وعدم التمييز؛ أي يوقع بينكم الاختلاط والاضطراب.
شِيَعًا
جمع شيعة، وهي الفرقة المتفقة على هوى أو مذهب؛ والمراد طوائف متفرقة متناحرة.
بَأْسَ بَعْضٍ
شدة القتل والحروب الداخلية والعداوة.
قُلْ
أمر مبني على السكون.
هُوَ
ضمير منفصل مبتدأ يعود على الله تعالى.
الْقَادِرُ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة والجملة مقول القول.
عَلَىٰ
حرف جر.
أَن
حرف مصدري ونصب.
يَبْعَثَ
مضارع منصوب بأن والفاعل مستتر تقديره هو.
عَلَيْكُمْ
متعلق بيبعث.
عَذَابًا
مفعول به منصوب والمصدر المؤول (أن يبعث) في محل جر بعلى متعلق بالقادر.
مِّن فَوْقِكُمْ
متعلق بنعت لمحذوف لعذاباً، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
أَوْ
حرف عطف للتنويع والتقسيم.
مِن تَحْتِ
معطوف وهو مضاف.
أَرْجُلِكُمْ
مضاف إليه مجرور والكاف مضاف إليه.
أَوْ
حرف عطف.
يَلْبِسَكُمْ
مضارع منصوب معطوف على يبعث والفاعل مستتر والكاف مفعول به أول.
شِيَعًا
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة (أو حال).
وَيُذِيقَ
معطوف منصوب والفاعل مستتر.
بَعْضَكُم
مفعول به أول والكاف مضاف إليه.
بَأْسَ
مفعول به ثانٍ وهو مضاف.
بَعْضٍ
مضاف إليه مجرور.
انظُرْ
أمر للتعجيب والاعتبار.
كَيْفَ
اسم استفهام في محل نصب حال معلق للنظر.
نُصَرِّفُ
مضارع والفاعل نحن.
الْآيَاتِ
مفعول به منصوب بالكسرة.
لَعَلَّهُمْ
لعل واسمها.
يَفْقَهُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر لعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحذير الأمة من التمزق الداخلي بعد التذكير بآيات الآفاق:
نقلة وعيدية مروعة؛ فبعد أن قرر قدرته على إنجائهم من ظلمات البر والبحر وعجّب من شركهم، أنذرهم هنا بأن نجاتهم من كرب لا تعني أمنهم من بطشه؛ فقدرته محيطة بإنزال العذاب من كل الجهات: من السماء والأرض، أو بأشد من ذلك وهو تدمير الأمة من داخلها؛ بالفرقة، وتشتت الأهواء، وتسليط بعضهم على بعض بالقتل وسفك الدماء؛ فكانت الآية نبوءة وإنذاراً يرجف القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حكمة وقوع الفتن والنزاع في الأمة المحمدية:
دل الحديث الصحيح على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه ألا يهلك أمته بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم فاستجاب له، ودعا ألا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه إياها!
والتحقيق الحكمي العقدي (ابن تيمية في "الفتاوى" ج ١٤، ص ٢٦٧):
أن رفع العذاب العام المستأصل (كالطوفان والريح والخسف) كان كرامة لهذه الأمة المرحومة ببركة نبيها ورسالته الخاتمة.
أما وقوع الفتن والنزاع والحروب الداخلية فهو مرتبط بسنن التكليف والابتلاء الاختياري؛ فإذا تفرقت الأمة عن كتاب ربها واتبعت الأهواء سلط الله بعضها على بعض عقوبة سننية؛ لتذوق وبال التنازع والفشل: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
استعارة اللبس في {يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا}: تصوير حسي للاضطراب والغموض؛ شبه تفرق الأهواء بالثوب الملتبس أو الخيوط المتداخلة التي يتعذر فصلها؛ حيث تختلط المفاهيم وتضطرب الصفوف ويصبح العدو كأنه الصديق والصديق عدواً.
التعبير بـ {وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ}: استعارة حسية؛ جعل عذاب السيف والاقتتال كطعم مر يتجرعه المقتتلون تدميراً لوحدتهم وأمنهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من الفرقة والتحزب والتنازع المذهبي والفكري الذي يمزق جسد الأمة ويذيقها بأس بعض.
الاعتصام بالكتاب والسنة كعاصم وحيد من الفتن، والاستعاذة بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.