الاستدلال بسلب الجوارح والإدراك على توحيد الألوهية والربوبية:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٨٦)جامع البيانالطبري١١/٣٨٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم}: «يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين محتجاً عليهم: أخبروني إن أصمكم الله فأذهب أسماعكم، وأعماكم فأذهب أبصاركم، وطبع على قلوبكم وسد منافذ الفهم عنها؛ من إله معبود يملك أن يرد عليكم هذه النعم الجليلة سوى الله الواحد القهار؟! {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ} أي ننوع الحجج ونبين البراهين، {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} أي يعرضون عن الحق بعد وضوحه إعراضاً كلياً».
وروى الطبري عن السدي: «الصدوف: الإعراض بوجه وتولٍّ واستكبار؛ يصدفون عن آيات الله بعد أن قامت عليهم الحجة الداحضة لشركهم».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٧٢)مصدر غير محدد٣/٢٧٢: «يقرر تعالى تفرده بالخلق والإنعام، وتصرفه المطلق في جوارح العباد ومشاعرهم؛ فلو سلبهم السمع والبصر والعقل لما استطاع أحد من أصنامهم وآلهتهم أن يعيد إليهم شيئاً من ذلك؛ فكيف يعبدون معه من لا يملك لهم نفعاً ولا ضراً؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَخَذَ
الأخذ هنا السلب والاستلاب والإعدام؛ أي أذهبها بالصمم والعمى والجنون.
وَخَتَمَ
الختم التغطية والطبع والاستيثاق من الشيء كي لا يدخله شيء ولا يخرج منه؛ والمراد سد منافذ الإدراك والتمييز عن القلب.
يَأْتِيكُم بِهِ
يرده عليكم ويعيده بعد سلبه؛ وإفراد الضمير {بِهِ} إما لرجوعه إلى المأخوذ المفهوم من السياق، أو إلى كل واحد مما ذُكر، أو للسمع لأنه أقرب أو أشرف.
الصدوف أشد الإعراض مع الميول والعدول عن الشيء كراهة وبغضاً؛ يقال: صدف عنه إذا مال عنه وانصرف بظهره.
قُلْ
أمر مبني على السكون.
أَرَأَيْتُمْ
الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، رأيتم فعل وفاعل والجملة معلقة عن العمل لوجود الاستفهام (من إله).
إِنْ
حرف شرط جازم.
أَخَذَ
ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
اللَّهُ
لفظ الجلالة فاعل أخذ مرفوع بالضمة.
سَمْعَكُمْ
مفعول به منصوب والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
وَأَبْصَارَكُمْ
معطوف منصوب.
وَخَتَمَ
معطوف على أخذ والفاعل مستتر.
عَلَىٰ قُلُوبِكُم
متعلق بختم والكاف مضاف إليه.
مَّنْ
اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ.
إِلَٰهٌ
نعت لمن أو بدل مرفوع بالضمة (أو خبر من وإله مبتدأ مؤخر).
غَيْرُ
نعت لإله مرفوع بالضمة وهو مضاف.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
يَأْتِيكُم
مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره هو يعود على إله، والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ من؛ وجملة الاستفهام سدت مسد مفعولي أرأيتم، وجواب الشرط محذوف دل عليه الاستفهام.
بِهِ
متعلق بيأتيكم.
انظُرْ
أمر للتعجيب والاعتبار وفاعله مستتر.
كَيْفَ
اسم استفهام مبني في محل نصب حال معلق لفعل النظر عن العمل.
نُصَرِّفُ
مضارع مرفوع وفاعله نحن.
الْآيَاتِ
مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام الخصم بنعمة الجوارح بعد التذكير بمصارع الأمم الغابرة:
بعد أن قص عليهم مصارع المكذبين الذين أخذهم الله بغتة وقطع دابرهم، عاد بهم إلى دائرة الأنفس الأقرب؛ مسلطاً الحجة على أدوات المعرفة التي يملكونها: السمع، والبصر، والقلب؛ فبين أن هذه النعم وديعة إلهية إن شاء سلبها في لحظة واحدة، ولا يملك صنم ولا وثن ردها؛ ثم عجب من جحودهم: كيف يعرضون ويصدفون بعد كل هذا التنويع البياني المعجز للحجج الكونية والنفسية؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حكمة إفراد الضمير في {يَأْتِيكُم بِهِ} بعد ذكر السمع والأبصار والقلوب:
استشكل النحاة والمفسرون إفراد الضمير {بِهِ} مع أن المذكور متعدد (سمع، أبصار، قلوب)؛ وأجاب المحققون (ابن جرير، والزمخشري، وأبو حيان) بأجوبة بالغة الإحكام:
عود الضمير على "المذكور" أو "المأخوذ" كقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا}؛ أي من إله يأتيكم بما أُخذ منكم.
عوده على "السمع" خاصة لأنه أشرف أدوات التلقي في الشريعة، أو عوده على كل واحد مما ذكر على سبيل البدل؛ أي يأتيكم بواحد منها.
عوده على "الهدى" المفهوم من السياق؛ أي من إله يأتيكم بهدى ونور تبصرون به.
التدرج في سلب أدوات الإدراك: بدأ بالسمع (أداة الاستماع للوحي)، ثم ثنى بالأبصار (أداة النظر في الآفاق)، ثم ختم بالقلب (محل العقل والتدبر والختم)؛ للإشعار بأن تعطل القلب هو النهاية الحتمية لتعطل السمع والبصر.
استعمال {ثُمَّ} للتعجيب الرتبي: {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} استبعاد منطقي؛ فبعد تصريف الآيات وبيان الحجج لا يتوقع عاقل أن يكون الجواب هو الصدوف والإعراض؛ فكان في {ثُمَّ} توبيخ يدمغ عنادهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعم الله في السمع والبصر والقلب، والحذر من استعمالها في معصية الله فتكون حجة على صاحبها.
الحذر من داء "الصدوف" والإعراض عن مواعظ القرآن بعد وضوحها وتنوع براهينها.