بركة القرآن وعالمية إنذاره والصلة بالصلاة في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٥٢)جامع البيانالطبري١١/٥٥٢ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}: «هذا القرآن العظيم كتاب أنزله الله، مبارك كثير الخير والنفع والبركات في الدنيا والآخرة، مصدق لما قبله من التوراة والإنجيل؛ {وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} أم القرى هي مكة المشرفة، ومن حولها سائر بلاد العرب والعجم ومشارق الأرض ومغاربها؛ {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}».
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: «سميت مكة أم القرى لأن الأرض دُحيت من تحتها، ولأنها قبلة أهل القرى كلها وإمامها ومحجهم».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣١٧)مصدر غير محدد٣/٣١٧: «يصف تعالى كتابه العزيز بالبركة التامة، وبأنه يصدق ما تقدمه من الكتب المنزلة، وأن الغاية من إنزاله إنذار أهل مكة ومن حولها من سائر أرجاء المعمورة؛ وأن المؤمنين بالمعاد هم الذين يقبلون نوره ويحافظون على عماد دينهم وهي الصلاة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{مُبَارَكٌ}: كثير الخيرات والمنافع والهدى، دائم النماء والبركة في الألفاظ والمعاني والأحكام.
{مُّصَدِّقُ}: موافق وشاهد بصدق الكتب السابقة ومهيمن عليها.
{أُمَّ الْقُرَىٰ}: مكة المكرمة؛ وأصل كل شيء يتبعه غيره يسمى أماً.
{يُحَافِظُونَ}: يداومون على أداء الصلاة في أوقاتها بشروطها وأركانها وخشوعها.
القراءات المتواترة في {وَلِتُنذِرَ}:
قرأ الجمهور: {وَلِتُنذِرَ} بتاء الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقرأ أبو بكر عن عاصم، ويعقوب: {وَلِيُنذِرَ} بياء التذكير؛ أي ولينذر الكتاب أو الله أم القرى.
الإعراب والتركيب:
{وَهَٰذَا}: الواو عاطفة، ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبتدأ.
{كِتَابٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَنزَلْنَاهُ}: ماضٍ ونا فاعل والهاء مفعول به والجملة نعت لكتاب في محل رفع.
{مُبَارَكٌ}: نعت ثانٍ لكتاب مرفوع بالضمة.
{مُّصَدِّقُ}: نعت ثالث مرفوع وهو مضاف.
{الَّذِي}: اسم موصول مضاف إليه مبني في محل جر.
{بَيْنَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وهو مضاف.
{يَدَيْهِ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى والهاء مضاف إليه.
{وَلِتُنذِرَ}: الواو عاطفة على علة محذوفة مقدرة (أي أنزلناه للبركة ولتنذر)، اللام لام التعليل، تنذر مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره أنت (أو هو بالياء).
{أُمَّ}: مفعول به لتنذر منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{الْقُرَىٰ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
{وَمَنْ}: الواو عاطفة، من اسم موصول معطوف على أم القرى في محل نصب.
{حَوْلَهَا}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة من والهاء مضاف إليه.
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، الذين مبتدأ مبني في محل رفع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إثبات بركة الوحي المحمدي بعد إثبات التوراة الموسوية:
تدرج برهاني باهر؛ فلما ألزمهم في الآية السابقة بالكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى، عطف عليه ببيان هذا الكتاب الخاتم المهيمن: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}؛ فهو جامع لبركات الهداية، ومصدق لما سبقه، ورسالته عالمية تبدأ من مركز الأرض (أم القرى) وتمتد لمن حولها؛ ثم بين صفة المنتفعين به: هم الموقنون بالآخرة المحافظون على صلواتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة {وَمَنْ حَوْلَهَا} على عالمية الرسالة الإسلامية:
حاول بعض المستشرقين والمشككين حصر رسالة الإسلام في مكة وبيئتها الجغرافية الضيقة بالتمسك بظاهر قوله: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا}!
والتحقيق البياني والشرعي القاطع (ابن كثير وابن تيمية والشنقيطي):
أن "أم القرى" هي مركز الانطلاق والدعوة الأولى، وقوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} لفظ عام يستغرق كل ما يحيط بها من أقطار الأرض إلى قيام الساعة؛ كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، وقوله: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}.
وتسمية مكة "أماً" يؤكد هذه التبعية الكونية؛ فالأم يتبعها سائر الفروع، فكانت إنذاراً للعالمين جميعاً.
التنكير في {كِتَابٌ} ووصفه بـ {مُبَارَكٌ}: للتعظيم والتفخيم؛ لإبراز سعة خيرات القرآن في تشريعاته وأخلاقه وهداياته وشفائه للقلوب والأبدان.
تخصيص الصلاة بالذكر في {وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}: إشارة إلى أن المحافظة على الصلاة هي المقياس العملي والبرهان الصادق على صدق الإيمان بالآخرة وبالقرآن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة تلاوة القرآن وتدبره للنهل من بركاته العظيمة في الحياة والعلم والعمل.
المحافظة التامة على الصلوات المكتوبة في أوقاتها؛ فإنها ميزان الإيمان وواحة الأمان في الدارين.