أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (11/ 588)جامع البيانالطبري١١/٥٨٨ وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي قالوا: "قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، تخبرنا أن موسى كانت له عصا يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة؛ فأتنا بآية حتى نصدقك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي شيء تحبون أن آتيكم به؟» قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً، أو تحيي لنا بعض موتانا نسألهم عنك؛ وأقسموا بالله لئن فعلت ذلك لنتبعنك جميعاً. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه، فجاءه جبريل عليه السلام فقال: إن شئت كان لك ما سألوا، فإن لم يؤمنوا عُذبوا بعذاب لم يُعذب به أحد من العالمين، وإن شئت فُتح لهم باب التوبة والرحمة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل باب التوبة والرحمة»، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}".
توجيهات أئمة السلف والتفسير:
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 319)مصدر غير محدد٣/٣١٩: "يخبر تعالى عن المشركين أنهم حلفوا بالله جهد أيمانهم، أي مؤكدين أيمانهم مغلظين لها، لئن جاءتهم آية خارقة على وفق ما اقترحوا ليؤمنن بها... فأمر الله نبيه أن يجيبهم: {قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ} أي: هو القادر على إرسالها، وإنما ينزلها بمشيئته وحكمته لا باقتراحكم وتحكمكم... ثم التفت الخطاب إلى المؤمنين الذين تمنوا نزول تلك الآيات طمعاً في إيمان قريش: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أي وما يدريكم أيها المؤمنون {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}؛ أي أنهم لو جاءتهم تلك الآيات الخارقة لما آمنوا لعنادهم وقسوة قلوبهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ): الجَهْد بالفتح هو المشقة وبلوغ الغاية والطاقة؛ وجهد اليمين: حلفهم بأغلظ الأيمان وأعظمها توكيداً بحيث استفرغوا طاقتهم في الحلف.
(يُشْعِرُكُمْ): من الشُّعور، وهو الإدراك الدقيق للأمور الخفية بحاسة المشاعر، أي: وما يدريكم وما يعلمكم.
الإعراب والتركيب:
{وَأَقْسَمُوا}: الواو استئنافية، أقسموا فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{بِاللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ (أقسموا).
{جَهْدَ}: مفعول مطلق منصوب نائب عن المصدر (أي حلفاً مجهوداً بالغاً أقصى الطاقة)، أو حال منصوبة.
{أَيْمَانِهِمْ}: مضاف إليه مجرور والهاء مضاف إليه.
{لَئِن}: اللام موطئة للقسم، (إن) حرف شرط جازم.
{جَاءَتْهُمْ آيَةٌ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، و(آية) فاعل مرفوع.
{لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا}: اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، (يؤمنن) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له. والجملة جواب القسم لا جواب الشرط لأسبقية القسم، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم.
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ}: إنما كافة ومكفوفة تفيد الحصر، (الآيات) مبتدأ، (عند) ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر، و(الله) مضاف إليه.
{وَمَا يُشْعِرُكُمْ}: الواو استئنافية، (ما) استفهامية متضمنة معنى النفي في محل رفع مبتدأ، وجملة (يشعركم) خبر، والكاف مفعول به أول.
{أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}: (أنها) مع ما بعدها في تأويل مصدر سد مسد مفعول (يشعركم) الثاني، و(إذا) ظرف شرطي غير جازم، وجملة (جاءت) مضاف إليها، وجملة (لا يؤمنون) خبر (أن).
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: {أَنَّهَا} بفتح الهمزة، على تقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ والمعنى: وما يدريكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون! و(لا) نافية للإيمان.
وقرأ بعض السلف وأبو جعفر في رواية {إِنَّهَا} بكسر الهمزة على الاستئناف؛ أي: وما يدريكم؟ ثم استأنف الإخبار الجازم: إنها إذا جاءت لا يؤمنون لعلم الله السابق في شقائهم وعنادهم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة: {لَا يُؤْمِنُونَ} بياء الغيبة إخباراً عن المشركين، وقرأ نافع وابن عامر في رواية {لَا تُؤْمِنُونَ} بتاء الخطاب موجهاً للمشركين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها: كشف الله تعالى في الآيات السابقة عن عناد المشركين وزعمهم {دَرَسْتَ}، ثم أظهر في هذه الآية حيلة جديدة من حيلهم الخبيثة؛ وهي اقتراح المعجزات المادية الخارقة والتأكيد بأغلظ الأيمان على أنهم سيؤمنون فور رؤيتها، ففضح الله حقيقة نفوسهم، ولقّن نبيه الرد الحاسم بأن الآيات ملك لله وحده ينزلها متى شاء وكيف شاء، ثم التفت لتربية المؤمنين حتى لا تخدعهم تلك الأيمان الكاذبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الله في الآيات المقترحة:
لم يكن امتناع إنزال المعجزات المقترحة (كالصفا ذهباً) عجزاً من الله تعالى، وإنما كان رحمة بالأمة؛ لأن سنة الله الجارية في الأمم السابقة (كقوم صالح وثمود وقوم عيسى) أنهم إذا سألوا آية معينة فأنزلها الله ولم يؤمنوا، جاءهم عذاب الاستئصال فوراً ولم يُنظروا طرفة عين؛ قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا}. والله تعالى أراد أن يُبقي هذه الأمة المحمدية مرحومة، وأن يفتح فيها باب التوبة لمن كفر، وأن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله.
طبيعة المعاند النفسية:
المعاند لا تنقصه الأدلة؛ فالقرآن بآياته العقلية والكونية أعظم من كل آية حسية، ومن أعمى بصيرته عن الحق لا تنفعه الخوارق، بل سيقول ساحر أو سُحرنا كما حدث حين انشق القمر؛ فالإشكال في إرادة الهداية لا في ظهور البرهان.
التأكيد البالغ في القسم: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} والمجيء بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة {لَّيُؤْمِنُنَّ} لإظهار مدى تمويههم ومبالغتهم في الخداع.
أسلوب القصر والحصر: {إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ} للرد على تحكمهم؛ فالرسول ليس بساحر ولا متصرف في الكون، وإنما الآيات لله ينزلها بحكمته.
الالتفات المعجز في قوله {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}: التفات من مواجهة المشركين إلى مخاطبة المؤمنين لحمايتهم من التصديق الساذج لأيمان المناوئين.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
كم من إنسان يعلق توبته وإيمانه على حدوث خوارق وتغيرات في حياته، ولو فتش في نفسه لوجد أن براهين الإيمان قائمة في كل نفس يتنفسه، ولكن الهوى يمنع الانقياد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الوعي الدعوي وعدم الانخداع بالمظاهر:
تربية الجماعة المؤمنة على النضج الفكري وسبر أغوار النفوس، وعدم الانخداع بالأيمان المغلظة والوعود البراقة التي يطلقها أعداء الحق للتنصل من التكاليف أو لإحراج الدعوة.
قيمة القرآن كمعجزة عقلية خالدة:
الاكتفاء بالمعجزة العقلية البيانية الباقية؛ وهي القرآن العظيم، ففيه البصائر والشفاء والغناء عن سائر الخوارق الوقتية الزائلة.