وظيفة الرسل الكبرى والأمان التام للمؤمنين في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٩٣)جامع البيانالطبري١١/٣٩٣ وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}: «أي مبشرين لأهل طاعة الله بالجنة والكرامة والرحمة، ومنذرين لأهل معصيته بالنار والوبال والخسران؛ ليس إليهم من أمر الخلق والملك وهداية القلوب وإنزال الآيات شيء؛ {فَمَنْ آمَنَ} بما جاؤوا به من عند الله {وَأَصْلَحَ} عمله ونفسه {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة والقيامة، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما فاتهم من حظوظ الدنيا ومتاعها».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٧٤)مصدر غير محدد٣/٢٧٤: «يبين تعالى وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم سفراء بين الله وبين عباده للبشارة والنذارة، فمن آمن بهم وأصلح عمله أمنه الله يوم الفزع الأكبر وحفظه من كل سوء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُبَشِّرِينَ
البشارة الإخبار بأمر سار مقبل يظهر أثره على بشرة الوجه فرحاً؛ والبشارة للمؤمنين برضوان الله والجنة.
وَمُنذِرِينَ
الإنذار إعلام وتخويف من شر مقبل يتيح فرصة الحذر والفرار؛ والإنذار للكافرين بالنار وسخط الجبار.
وَأَصْلَحَ
أصلح ما بينه وبين ربه بالتوبة، وأصلح عمله باتباع الشريعة والإخلاص.
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
أمان مطلق من فزع القيامة وأهوال الحساب وعذاب جهنم.
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
انتفاء الحزن والكدر عما مضى وخلفوه وراءهم.
وَمَا
الواو استئنافية، ما نافية لا عمل لها.
نُرْسِلُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن.
الْمُرْسَلِينَ
مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
إِلَّا
أداة حصر ملغاة.
مُبَشِّرِينَ
حال منصوبة بالياء من المرسلين.
وَمُنذِرِينَ
معطوف منصوب بالياء.
فَمَنْ
الفاء استئنافية، من اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
آمَنَ
ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر.
وَأَصْلَحَ
معطوف على آمن والفاعل مستتر.
فَلَا
الفاء رابطة لجواب الشرط، لا نافية للجنس تعمل عمل إن (أو نافية مهملة وخوف مبتدأ).
خَوْفٌ
مبتدأ مرفوع بالضمة (على إهمال لا) أو اسمها مبني على الفتح.
عَلَيْهِمْ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر خوف.
وَلَا
الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد النفي.
هُمْ
ضمير منفصل مبتدأ.
يَحْزَنُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر هم، وجملة جواب الشرط في محل جزم، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ من.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحديد طبيعة المهمة الرسالية وتبديد أوهام المشركين في شأن النبي:
سياق تنزيهي وتشريعي بليغ؛ فلما كان المشركون يقترحون الآيات والخوارق ويطالبون النبي بملكوت السماوات والأرض، حددت هذه الآية طبيعة الوظيفة الرسالية بحسم: الرسل ليسوا أرباباً ولا متصرفين في الأقدار، بل هم دعاة مبشرون ومنذرون؛ ومسؤولية التلقي تقع على العباد؛ فمن اختار الإيمان والعمل الصالح نال الأمان التام، ومن عاند باء بالعذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق التلازم بين الإيمان والعمل الصالح في نيل الأمان المطلق:
قرنت الآية بين {آمَنَ} و {وَأَصْلَحَ}؛ للدلالة على أن مجرد دعوى الإيمان باللسان أو التصديق النظري البارد لا يكفي للسلامة من أهوال القيامة ما لم يقترن بالصلاح والعمل الصالح؛ فالإصلاح هو البرهان العملي الصادق على حقيقة الإيمان؛ وبهما معاً يرتفع الخوف والحزن وتتحقق النجاة الأبدية؛ رداً على غلاة المرجئة الذين زعموا أن العمل لا أثر له في النجاة.
أسلوب الحصر والقصر في {وَمَا نُرْسِلُ... إِلَّا}: لقصر مهمة الرسل على الهداية والتبليغ؛ ودفع أي وهم بتجاوزهم لحدود البشرية المخلوقة.
الجمع بين نفي الخوف ونفي الحزن {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: استيعاب للأمن النفسي التام؛ فالخوف يكون من المكروه الآتي في المستقبل، والحزن يكون على الفائت في الماضي؛ فإذا انتفى الخوف والحزن تم النعيم والسكينة المطلقة للمؤمنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوازن في الخطاب الدعوي بين التبشير بالفضل والرحمة وبين الإنذار بالعذاب والنقمة؛ اقتداءً بمنهج الرسل عليهم السلام.
الحرص على إصلاح السريرة والعلانية والعمل الصالح؛ لكي يظفر العبد بالأمان الإلهي يوم ترجف الأرض والجبال.