تحقيق اسم آزر وحوار الخليل مع أبيه في مأثور السنة والآثار:
أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" (كتاب أحاديث الأنبياء، رقم ٣٣٥٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٥٠ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك! فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟! فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، انظر ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذيخ ملتطخ (أي ضبع ذكر منتن متمرغ في رجيعه)، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٩١)جامع البيانالطبري١١/٤٩١ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وقتادة قالوا: «آزر: هو اسم أبي إبراهيم عليه السلام؛ وقيل في التوراة تارخ، وآزر لقبه أو اسم صنم كان يرعاه؛ والصواب الذي نص عليه القرآن والحديث الصحيح أنه اسم أبيه الصلبي؛ خاطبه إبراهيم برفق داعياً إياه إلى التوحيد: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً} تعبدها وتخضع لها، {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} أي في تيه ظاهر وعدول بين عن طريق الرشاد».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٠)مصدر غير محدد٣/٣٠٠: «نص القرآن الصريح بأن آزر هو والد إبراهيم، وهو قول جمهور المفسرين وعلماء الأثر؛ خلافاً لمن تكلف فزعم أنه عمه لفرط تنزيه آباء الأنبياء عن الشرك، والحديث الصحيح في البخاري صريح في تسميته بأبيه آزر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
آزَرَ
اسم والد إبراهيم عليه السلام؛ وهو اسم علم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
أَصْنَامًا
جمع صنم، وهو كل تمثال مصور من حجر أو خشب أو معدن على صورة حيوان أو إنسان يُعبد من دون الله.
آلِهَةً
معبودات تُرجى وتُخاف وتُصرف لها العبادة.
ضَلَالٍ مُّبِينٍ
تيه وانحراف ظاهر بين لا يخفى قبحه وسفاهته على ذي عقل سليم.
وَإِذْ
الواو استئنافية، إذ ظرف لما مضى من الزمان مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره (واذكر إذ قال).
قَالَ
ماضٍ مبني على الفتح.
إِبْرَاهِيمُ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذ.
لِأَبِيهِ
اللام حرف جر، أبيه مجرور بالياء لأنه من الأسماء الستة وهو مضاف والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بقال.
آزَرَ
عطف بيان لأبيه أو بدل منه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
براعة انتقال بالغة السمو؛ فبعد أن أرسى قواعد التوحيد وبراهينه ونفى الشرك، انتقل إلى المحاجة التاريخية بذكر إمام التوحيد الخليل إبراهيم عليه السلام، الذي تعتز قريش بالانتساب إليه وتزعم أنها على دينه؛ فبين القرآن أن أول خطوة سلكها إبراهيم كانت المفاصلة التامة مع الشرك ولو كان في أقرب الناس إليه (أبيه وقومه)؛ فأنكر عليهم عبادة الأصنام الصماء ورماهم بالضلال المبين؛ فكيف تدعي قريش اتباع ملة إبراهيم وهي غارقة في عبادة الأصنام والأوثان؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مسألة كفر والد إبراهيم ودحض شبهات الغلاة:
دلت الآية الكريمة والحديث النبوي الصحيح في البخاري على أن آزر هو والد إبراهيم الحقيقي وأنه مات كافراً مصراً على شركه؛ ودفعاً لشبهة من زعم أن "آزر" عمه وأن آباء الأنبياء لا يكونون كفاراً (كما ادعى الرافضة وبعض المتصوفة):
القرآن نص على الأبوة الصريحة: {لِأَبِيهِ آزَرَ}، والأصل في اللسان العربي حمل اللفظ على حقيقته ولا يُعدل إلى المجاز (إطلاق الأب على العم) إلا بقرينة صارفة قاطعة، ولا قرينة هنا، بل القرائن متظافرة على الحقيقة.
حديث البخاري الصريح: «يلقى إبراهيم أباه آزر» نص قطعي في تسميته أباً، وشفاعة إبراهيم له إنما كانت عن موعدة وعدها إياه رجاء إسلامه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}.
كفر الأب لا يقدح قط في منزلة النبي وعصمته؛ فالنسب الحقيقي في ميزان الشريعة هو نسب العقيدة والتقوى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
الاستفهام الإنكاري في {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً}: إنكار عقلي مشوب بالعجب التام؛ كيف يتخذ الإنسان العاقل حجراً أصم نحته بيده ليكون إلهاً يعبده ويستنصره؟! إنه قلب للموازين وتسفيه للعقل.
التنكير في {أَصْنَامًا آلِهَةً}: لإفادة التحقير للأصنام؛ فهي مجرد جمادات حقيرة، وإنكار أن يصح جعلها آلهة كائناً ما كان شأنها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تقديم رابطة العقيدة والتوحيد على كل الروابط الطينية والنسبية؛ فالولاء لله ورسوله فوق كل قرابة.
الصدع بالحق والبدء بالأقربين في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، مع الوضوح التام في إنكار الشرك والباطل.