أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 207)جامع البيانالطبري١٢/٢٠٧ وابن أبي حاتم والترمذي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة»".
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنها نزلت في اليهود والنصارى الذين تفرقوا في دينهم فصاروا أحزاباً وشيعاً، وهي تعم كل من ابتدع في دين الإسلام وفرّق جماعة المسلمين وخرج عن صراط الله المستقيم".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 368)مصدر غير محدد٣/٣٦٨: "والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له؛ فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق، فمن ابتدع واختلف وفارق صراط الله المستقيم وصار شيعاً؛ أي فرقاً وأحزاباً وأهل أهواء وضلالات، فإن الله برّأ رسوله منهم؛ {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} كقوله: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، ثم توعدهم بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}".
قال الشاطبي في "الاعتصام" (1/ 46)الاعتصامالشاطبي١/٤٦: "هذه الآية نص قاطع في براءة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البدع والافتراق والتحزب في الدين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(شِيَعًا): جمع شِيعَة، وهي الفرقة والطائفة التي تشايع وتتبع رأياً أو زعيماً وتتعصب له في مباينة للحق والجماعة؛ ومنه التَّشَيُّع وهو التعصب والاتباع للفرقة.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ).
{فَرَّقُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{دِينَهُمْ}: مفعول به منصوب، وهم مضاف إليه، والجملة صلة الموصول.
{وَكَانُوا}: معطوف ماض ناقص والواو اسمها.
{شِيَعًا}: خبر (كانوا) منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{لَّسْتَ}: ليس فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها.
{مِنْهُمْ}: متعلق بمحذوف خبر (ليس).
{فِي شَيْءٍ}: متعلق بحال محذوفة أو بالخبر، و(شيء) نكرة في سياق النفي تفيد العموم التام والاستغراق. وجملة لست منهم في محل رفع خبر (إنّ).
{يُنَبِّئُهُم}: مضارع مرفوع والفاعل مستتر وهم مفعول به.
{بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}: متعلق بـ (ينبئهم)، وصلة ما لا محل لها.
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ الجمهور وحفص وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: {فَرَّقُوا} بالتشديد من التفريق؛ أي جزؤوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وصاروا فرقاً وأحزاباً.
وقرأ حمزة والكسائي: {فَارَقُوا} بالألف وتخفيف الراء من المفارقة؛ أي تركوا دينهم الذي أُمروا به وخرجوا عنه بالكلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وإعلان البراءة النبوية من التشرذم والتحزب: بعد أن أمر الله في الآية 153 باتباع الصراط المستقيم ونهى عن اتباع السبل، وأمر في الآية 155 باتباع الكتاب المبارك، جاءت هذه الآية لتؤكد أن الانحراف عن الصراط والكتاب يؤدي حتماً إلى تفرق الدين وتشرذم الأمة إلى شيع وأحزاب متعادية؛ فأعلن الله براءة نبيه صلى الله عليه وسلم وبراءة الشريعة من هؤلاء المفرقين للأمة والمبدلين لأصول الدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تجريم التفرق المذهبي والحزبي في أصول الدين:
الآية حجة قاطعة في تحريم تمزيق الأمة والولاءات الضيقة المبتدعة؛ فالإسلام دين واحد، والمسلمون أمة واحدة، والواجب الاعتصام بالسنة المشتركة والاجتماع عليها؛ فكل من نصب لنفسه أو لطائفته أصلاً يوالي ويعادي عليه بغير كتاب ولا سنة فقد فارق دينه وكان من الشيع المذمومة التي برئ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تحقيق دلالة {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}:
صيغة براءة مطلقة؛ تفيد انقطاع العصمة والموالاة الدينية في بدعهم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتحمل وزرهم ولا يرضى طريقتهم، وأمرهم مفوض إلى حكم الله الذي سينبئهم بما كانوا يصنعون ويجازيهم بعدله.