اللوم الإلهي على قسوة القلوب ووساوس التزيين الشيطاني في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٧٨)جامع البيانالطبري١١/٣٧٨ وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا}: «أي فهلا تضرعوا وخضعوا وتبتلوا إلى الله حين نزل بهم عذابه وبأسه في الدنيا! {وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} فلم تلن لموعظة ولم تخشع لآية، {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من الكفر والشهوات والتمادي في المعاصي وظنوا أنهم على حق».
وروى الطبري عن السدي ومجاهد: «قست قلوبهم: يبست وغلظت، وحال الشيطان بينهم وبين التوبة بما زخرف لهم من الباطل وألهاهم بالغرور».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٧٠)مصدر غير محدد٣/٢٧٠: «توبيخ شديد وعتاب للأمم السابقة؛ إذ لم يتعظوا بما أصابهم من البأساء والضراء، ولم تحدث لهم الشدائد إنابة ولا خشوعاً؛ بل تمكنت القسوة من قلوبهم، واستحوذ عليهم الشيطان فزين لهم قبائح أعمالهم حتى هلكوا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَلَوْلَا
حرف تحضيض وتوبيخ وتنديم بمعنى هلا؛ أي فما كان أولاهم وأجدرهم بالتضرع.
بَأْسُنَا
عذابنا وشدائدنا وابتلاؤنا.
قَسَتْ
القسوة الغلظة والصلابة واليبوسة؛ واستعيرت للقلب الذي لا يتأثر بالحق ولا يرق لموعظة كالحجر الجلمد.
وَزَيَّنَ
التزيين تصوير القبيح في صورة الحسن ليرغب فيه؛ وهو أعظم أسلحة إبليس في الإغواء.
فَلَوْلَا
الفاء عاطفة، لولا حرف تحضيض وتوبيخ وتنديم.
إِذْ
ظرف لما مضى متعلق بتضرعوا.
جَاءَهُم
ماضٍ والهاء مفعول به والميم للجمع.
بَأْسُنَا
فاعل جاءهم مرفوع ونا مضاف إليه، والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشخيص أسباب الهلاك: قسوة القلب واغترار الشيطان:
لما بين في الآية السابقة أن الغاية من إنزال الشدائد هي إيقاظ التضرع، عقب هنا ببيان العلة القاتلة التي حالت دون نجاتهم؛ فوبخهم على عدم انتفاعهم بالدرس؛ حيث واجهوا البأس بقسوة وجحود واغترار بما وسوس به الشيطان؛ فلم يستفيدوا من وخزات التنبيه، فمهدوا لأنفسهم سبل الاستئصال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة قسوة القلب والتزيين الشيطاني كحاجز معرفي وروحي:
تحذر الآية من ظاهرة نفسية خطيرة؛ وهي أن الإنسان إذا تكررت عليه المعاصي وأصر عليها، تكتسب نفسه مناعة سلبية ضد المواعظ والمصائب؛ فلا تزيده الشدائد إلا قسوة وتمرداً، ويتدخل الشيطان ليخدر ضميره بتأويلات فاسدة وتزيين للباطل، فيرى قبحه حسناً وباطله حقاً؛ فإذا وصل الإنسان أو المجتمع إلى هذه المرحلة من القسوة والغفلة والتزيين فقد آذنت شمس بقائه بالغروب ونزل به مكر الاستدراج.
أسلوب التنديم والتوبيخ بـ {فَلَوْلَا}: استحضار لحسرة فوات فرصة النجاة؛ فلو أنهم تضرعوا في الوقت المناسب لكُشف عنهم البأس ونالوا الرحمة، ولكنهم أضاعوا الأوان بقسوتهم.
الإسناد المجازي في {قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} والتعبير بالفعل {زَيَّنَ}: تصوير لانقلاب المعايير؛ فالقلب القاسي يفقد الإحساس، ثم يأتي تزيين الشيطان ليركب على هذا التبلد فيجعل الخراب بطولة والمعصية رقياً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تفقد القلب عند نزول البلايا والمصائب؛ هل يزداد رقة وتوبة وإنابة، أم يزداد قسوة وجدالاً وتبريراً؟!
التعوذ بالله من مكر الشيطان وتزيينه للمعاصي، وعرض الأعمال على ميزان الشرع المطهر لئلا يغتر الإنسان بظاهر ما زين له.