مقام العبودية الخالصة وتحديد منزلة الرسالة في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٩٧)جامع البيانالطبري١١/٣٩٧ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومجاهد في قوله تعالى: {قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ}: «يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين يتعنتون فيطلبون منك إدرار الرزق وإخباره بالمغيبات، أو يعجبون من كونك بشراً تأكل الطعام وتمشي في الأسواق: لست رباً فأتصرف في خزائن أرزاق الله ورحمته، ولست أعلم من الغيب إلا ما علمني الله وأطلعني عليه، ولست أدعي أني ملك من الملائكة لا أحتاج إلى طعام ولا يعتريني ما يعتري البشر؛ إنما أنا عبد رسول أتبع ما يوحى إليّ من ربي؛ {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ} أي هل يستوي الكافر الضال والمؤمن المهتدي بنور الوحي؟! {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} فتميزون بين الحق والباطل».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٧٥)مصدر غير محدد٣/٢٧٥: «هذا من كمال صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ونزاهته وعظيم تواضعه وإعلانه للحق؛ فهو لا يدعي ما ليس له، بل يثبت العبودية التامة لله، ويعلن انحصاره في وظيفة اتباع الوحي والبلاغ عن الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خَزَائِنُ اللَّهِ
مقادير أرزاقه ومفاتيح نعمه ورحمته وتدبير ملكوته.
الْغَيْبَ
كل ما غاب عن حواس البشر ومداركهم مما استأثر الله بعلمه.
مَلَكٌ
جوهر روحاني نوراني لا يتناول الغذاء ولا يعتريه الضعف البشري.
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ
حصر تام في الامتثال للوحي الإلهي المنوه به.
الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ
مثل ضرب للكافر الضال والمؤمن المبصر بنور الإيمان والوحي.
قُل
أمر مبني على السكون.
لَّا
نافية لا عمل لها.
أَقُولُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا.
لَكُمْ
متعلق بأقول.
عِندِي
عند ظرف مكان منصوب بفتحة مقدرة متعلق بمحذوف خبر مقدم وهو مضاف والياء مضاف إليه.
خَزَائِنُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة وهو مضاف، وجملة المبتدأ والخبر مقول القول في محل نصب.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
وَلَا
الواو عاطفة، لا نافية.
أَعْلَمُ
مضارع والفاعل مستتر.
الْغَيْبَ
مفعول به منصوب بالفتحة، والجملة معطوفة على مقول القول.
وَلَا
عاطفة نافية.
أَقُولُ
مضارع وفاعله.
لَكُمْ
متعلق بأقول.
إِنِّي
إن واسمها.
مَلَكٌ
خبر إن مرفوع بالضمة، وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول الثاني.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان البراءة من خصائص الربوبية وتجريد مقام العبودية:
ذروة السمو الأخلاقي والعقدي في الرسالة المحمدية؛ بعد أن واجه مقترحاتهم المتعنتة وتعجيزاتهم الدنيوية، أمره الله أن يصدع بهذه الحقيقة العارية التي تسقط كل تخرصات الكهان وتدليس المدعين؛ فالنبي لا يملك خزائن الرزق، ولا يعلم الغيب المطلق، وليس ملكاً متجرداً من البشرية، بل هو عبد متبع للوحي مصدق به؛ ثم ضرب المثل الحاسم: هل يستوي هذا المبصر بنور السماء مع الأعمى المتخبط في دياجير الشك والجهل؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض دعاوي الغلو في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من ادعاء الربوبية:
الآية الكريمة عمدة قطعية لأهل السنة في إثبات بشرية النبي صلى الله عليه وسلم وعبوديته الخالصة لله؛ وهي سد منيع ضد كل أنواع الغلو الذي وقع فيه النصارى في حق المسيح أو غلاة المتصوفة والرافضة في حق النبي وآل البيت:
نفي ملكية خزائن الله ينفي عنه صفة الربوبية والتصرف المطلق في الكون.
نفي علم الغيب يقطع بعدم استقلاله بعلم ما غاب إلا ما أطلعه الله عليه بوحي خاص: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}.
نفي كونه ملكاً يثبت بشريته المكتملة واحتياجه الفطري.
فجمعت الآية كمال الصدق والإنصاف ونفي دعاوى الدجل، وهي أعظم شهادة على صدق نبوته؛ إذ لو كان مدعياً كاذباً لادعى لنفسه تلك المقامات ليعظم في عيون أتباعه.
التكرار النفيي لـ {لَّا أَقُولُ... وَلَا أَعْلَمُ... وَلَا أَقُولُ...}: نفي وتبرؤ متتابع يطرد كل شبهة توهم، ويرسخ في الأذهان الحدود الفاصلة بين الخالق والمخلوق.
الاستفهام التقريري والتمثيلي في {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ}: تشبيه بديع؛ صور الضال بالأعمى المحروم من النور المتخبط في الحفر، وصور المهتدي بالبصير الماشي في وضح النهار، لإلزام العقول بضرورة التفكر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوحيد وإفراد الله بخصائص الربوبية والألوهية، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه وتعظيمه في إطار العبودية والرسالة دون غلو ولا إطراء كما قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».
تحكيم نعمة العقل والتفكر في التمييز بين الحق والباطل، والاعتصام بالوحي المعصوم كدليل أوحد للنجاة.