سنة الاستدراج بالنعم والأخذ المباغت في مأثور السنة والآثار:
أخرج الإمام أحمد في "المسند" (ج ٤، ص ١٤٥)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبل٤/١٤٥ والطبراني والبيهقي في "الشعب" عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٨٠)جامع البيانالطبري١١/٣٨٠ وابن أبي حاتم عن قتادة قال: «بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وبطرتهم ورخائهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون».
وروى الطبري عن الحسن البصري: «مكر بالقوم ورب الكعبة! أُعطوا حاجتهم حتى إذا أخذوا أشرهم وفرحهم، أخذهم الله بغتة وهم لا يشعرون».
وفي قوله: {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}: أخرج الطبري عن ابن عباس ومجاهد: «المبلسون: الآيسون القانطون من كل خير، المنقطعون الذين غلبهم الحزن والندم وسكتوا حيرة وذهولاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَسُوا
تركوا وأعرضوا وتناسوا ما وُعظوا به وخوفوا منه.
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
صببنا عليهم الخيرات والنعيم والأرزاق والرخاء والدعة من كل باب استدراجاً وإملاءً.
فَرِحُوا
الفرح هنا فرح البطر والأشر والاستكبار والأمن من مكر الله، لا فرح الشكر.
بَغْتَةً
فجأة على غرة وغفلة وهم في غاية التمتع والاطمئنان.
مُّبْلِسُونَ
الإبلاس شدة الحزن واليأس والسكوت مع انقطاع الحجة وظهور الفضيحة؛ ومنه اشتق اسم إبليس لإبلاجه ويأسه من رحمة الله.
فَلَمَّا
الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، لما رابطة شرطية غير جازمة.
نَسُوا
ماضٍ والواو فاعل وجملة نسوا فعل الشرط.
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
ذُكِّرُوا
ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة صلة ما.
بِهِ
متعلق بذكروا.
فَتَحْنَا
ماضٍ ونا فاعل، وهو جواب لما.
عَلَيْهِمْ
متعلق بفتحنا.
أَبْوَابَ
مفعول به لفتحنا منصوب بالفتحة وهو مضاف.
كُلِّ
مضاف إليه مجرور وهو مضاف.
شَيْءٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
حَتَّىٰ
حرف غاية وابتداء.
إِذَا
ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
فَرِحُوا
ماضٍ والواو فاعل والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها.
بِمَا
الباء سببية، ما موصولة أو مصدرية في محل جر متعلق بفرحوا.
أُوتُوا
ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة صلة ما.
الفاء عاطفة لترتيب المفاجأة، إذا الفجائية حرف مبني على السكون.
هُم
ضمير منفصل مبتدأ.
مُّبْلِسُونَ
خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة المبتدأ والخبر معطوفة على جواب إذا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير قانون الاستدراج الإلهي والانتقال الصاعق من القمة إلى الهاوية:
مشهد سنني كوني ترتعد له الفرائص؛ لما لم تنفع معهم لغة الشدائد والبأساء والضراء، انتقل معهم التدبير الإلهي إلى سنة "الاستدراج بالرخاء والإملاء"؛ ففتحت لهم أبواب النعيم والتمكين على مصاريعها حتى ظنوا أنهم ملكوا زمام أمرهم وبطروا بنعيمهم، وفي ذروة الفرح والزهو نزل بهم القضاء الصاعق بغتة؛ فتحول المشهد في لمح البصر من سكرة النعيم إلى هول الإبلاس واليأس والصمت المطبق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق سنّة الاستدراج والفرق بين نعمة الإكرام ونعمة الابتلاء والاستدراج:
تكشف الآية والحديث النبوي الشريف عن أدق سنن الله في إدارة الكون؛ فالرخاء والتمكين الدنيوي ليس دليلاً على رضا الله عن العبد أو الأمة؛ فالله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين إلا لمن أحب؛ فإذا تتابعت النعم على العاصي وهو مقيم على معصيته فليعلم أنه في كمين الاستدراج: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}. فالابتلاء بالنعمة أشد خطراً وأعظم مكرية من الابتلاء بالشدة.
التعبير بـ {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}: مجاز مرسل واستعارة تمثيلية في غاية الروعة؛ صور تدفق الأرزاق والملذات بأبواب متعددة تُفتح كلها دفعة واحدة بغير حائل، ليدل على كمال البسط وسعة الإملاء.
المفاجأة الصادمة بـ {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}: استعمال (إذا الفجائية) يبرز التحول الفوري المذهل؛ لم تكن هناك مرحلة تدرج في الهلاك، بل نقله خاطفة من ذروة السعادة والأمن إلى قعر اليأس والخرس والانقطاع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر والوجل عند توالي النعم؛ فالمؤمن الصادق إذا رأى النعم تترى عليه مع تقصيره خاف أن يكون ذلك استدراجاً فبادر بالتوبة والشكر والخضوع.
تصحيح معايير النجاح والرضا في الحضارات والأفراد؛ فكثرة الأموال وتقدم الرفاه المادي مع الكفر ومحاربة شريعة الله إنما هو إيذان بقرب الأخذ البغتة وحلول سنة الإبلاس والدمار.